الدرس الثاني

فضيلة الشيخ د. سامي بن محمد الصقير

إحصائية السلسلة

11336 10
الدرس الثاني

الورقات

بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فقد تقدم الكلام على بعض الأحكام التَّكليفية، وهي: الواجب، والمندوب، والمباح، وتوقف بنا الكلام على المحظور.
قال المؤلف -رحمه الله: (وَالْمَحْظُورُ: مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ).
وهذا التعريف من المؤلف -رحمه الله- تعريفٌ للمحظور -أو للمحرم- بحكمه، والتَّعريف بالحكم من الأمور المعيبة عند علماء أصول الفقه، وعند أهل المنطق، كما قيل:

وَعِنْدَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْمَرْدُودِ ... أَنْ تَدْخُلَ الْأَحْكَامُ فِي الْحُدُودِ

فالمحظور في اللغة: بمعنى الممنوع، والمراد به المحرم، ومنه قول الله -عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورً﴾ [الإسراء: 20]، أي: ممنوعًا.
وأما تعريفه باعتبار حدِّه وحقيقته، فالمحظور: هو ما نهى الشارع عنه على سبيل الإلزام بالترك.
فقولنا: "ما نهى عنه الشارع" خرج بذلك الواجب والمستحب والمباح، لأن الواجب والمستحب مأمورٌ بهما، وأمَّا المباح فلا يتعلق به أمر ولا نهي.
وقولنا: "الشارع" خرج بذلك نهي غير الشارع، فلا يعتبر محرم أو محظور اصطلاحًا.
وقولنا: "على سبيل الإلزام بالترك"، خرج بذلك المكروه، لأنه منهي لكن لا على سبيل الإلزام بالترك.
وحكم المحظور أو المحرم: أنه يثاب تاركه امتثالًا، ويستحق العقابَ فاعلُه.
وقولنا: "يثاب تاركه امتثالًا" أي أنه إذا تركه لا امتثالًا فإنه لا يثاب.
وذلك أن تارك المحرم لا يخلو من أربع حالات:
الحال الأولى: أن يترك المحرم لله -عز وجل- امتثالًا لأمره، وخوفًا من عقابه؛ فهذا يثاب على هذا الترك.
ولهذا جاء في الحديث: «ومَن هَمَّ بسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها، كَتَبَها اللَّهُ له عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً»[1]، وجاء تعديل ذلك: «إِنَّمَا ترَكهَا مِن جَرَّائِي».
الحال الثانية: أن يترك المحرم لا لله، ولكن لأن نفسه لم تدْعه إلى المحرم، وليس له رغبة في هذا المحرم؛ فهذا لا يثاب ولا يعاقب، فلا له ولا عليه، فلا يثاب لأنه لم يترك المحرم لله -عز وجل-، ولا يعاقب لأنه لم يفعل المحرم، كمن ترك الخمر مثلًا لا امتثال لله -عز وجل-، ولكن لأن نفسه لم تدْعه إلى هذا الأمر، فمثل هذا لا يثاب على هذا الترك، لأنه لم يترك هذا المحرم لله، ولكنه لا يعاقب لأنه لم يفعل المحرم.
الحال الثالثة من أحوال تارك المحرم: أن يترك المحرم عجزًا عنه، من غير أن يفعل السَّبب، فهذا يعاقب على هذه النية السيئة، وهو أنه همَّ بالمحرَّم، ولكنه عجزَ عنه، ولكن مع عدم فعل السبب، فهذا يُعاقب على هذه النية السيئة، ودليل ذلك قول النبي ﷺ في الرجل الذي يقول: «رجلٌ آتاهُ اللهُ مالًا وعلمًا فهو يعملُ بعلمِه في مالِه يُنفقُه في حقِّهِ ورجلٌ آتاه اللهُ علمًا ولم يُؤْتِه مالًا فهو يقولُ لو كان لي مثلَ هذا عملتُ فيه مثلَ الذي يعملُ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فهما في الأجرِ سواءٌ»[2].
الحال الرابعة: أن يترك المحرم عجزًا عنه مع فعل السبب، بمعنى أنه سعى في الحصول على المحرم، وفي إرادة فعل المحرم، وفَعَلَ السبب، ولكنه عجز عن إدراكه وعن فعله؛ فهذا يعاقب عقابَ الفاعل تمامًا، ودليل ذلك قول النبي- صلى الله عليه وسلم: «إذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بسَيْفَيْهِما فَالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في النَّارِ قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، هذا القَاتِلُ، فَما بَالُ المَقْتُولِ؟ قالَ: إنَّه كانَ حَرِيصًا علَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»[3]، فقد نوى الفعل المحرم وفعل السبب ولكنه عجز؛ فعوقب عقابَ الفاعل تمامًا.
ثم قال المؤلف -رحمه الله: (وَالْمَكْرُوهُ: مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ، وَلا يُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ).
وهذا التعريف -كما تقدم- تعريف بالحكم لا بالحدِّ والحقيقة، أما تعريف المكروه:
فالمكروه في اللغة: بمعنى المبغض، سمي بذلك لأن الشرع يكرهه ولا يحبه.
وأما اصطلاحًا: فالمكروه ما نهى الشارع عنه، لا على سبيل الإلزام بالترك.
وحكمه: أنه يُثاب تاركه امتثالًا ولا يعاقب فاعله.
ثم قال المؤلف -رحمه الله: (وَالصَحِيحُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ وَيُعْتَدُّ بِهِ. وَالْبَاطِلُ: مَا لا يَتَعَلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ وَلا يُعْتَدُّ بِهِ).
الصحة والفساد من الأحكام الوضعية، وقد سبق إن الأحكام نوعان: أحكام تكليفية، وهي الأحكام الخمسة، وأحكام وضعية.
فمن الأحكام الوضعية: الصحة والفساد، فالصَّحيح ضد السقيم.
فالصَّحيح من العبادات: ما برئت به الذمة، وسقط به الطلب، بحيث يكون فِعلُه كافيًا في براءة الذِّمة، وفي سقوط المطالبة به.
والصحيح من المعاملات: ما ترتبت آثاره عليه، بحيث ينتقل فيه الثَّمن إلى البائع والمثمَن إلى المشتري.
ثم قال المؤلف -رحمه الله: (وَالْبَاطِلُ: مَا لا يَتَعَلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ وَلا يُعْتَدُّ بِهِ).
اعلم أن الباطل والفاسد عند كثير من العلماء هما بمعنًى واحد، ولكنهم يعبرون تارة بالباطل وتارة بالفاسد من باب التَّفنُّن في العبارة، ودفع السآمة والملل للمخاطَب أو القارئ، هذا الذي عليه كثير من العلماء، وهو كذلك عند الحنابلة -رحمهم الله- فالفاسد والباطل عند الحنابلة بمعنى واحد، فإذا قالوا: هذا فاسدٌ أو هذا باطلٌ؛ فهما بمعنى واحد، إلا في موضعين فرقوا فيهما بين الفاسد والباطل:
الموضع الأول: في الحج، فرقوا بين الفاسد والباطل، بأن الباطل: ما ارتدَّ فيه عن الإسلام، وأن الفاسد: ما جامعَ فيه المحرم قبل التَّحلل الأوَّل، فمثلًا: لو أن شخصًا أحرم بالحج ثم -والعياذ بالله- ارتد عن دين الإسلام؛ فإن حجه يكون باطلًا، لأن عمله حبط بردته.
وأما الفاسد: فهو ما جامع فيه المحرم قبل التَّحلل الأول، فلو أن شخصًا أحرم بالحج وقبل التَّحلل الأوَّل -أي قبل أن يرمي جمرة العقبة يوم العيد ويحلق أو يقصر- جامع زوجته، كما لو حصل ذلك في عرفة أو في المزدلفة؛ فإن حجه يسمى فاسدًا، فيمضي فيه وعليه الفدية، وغير ذلك من الأحكام التي ذكرها الفقهاء -رحمهم الله.
الموضع الثاني مما فرق فيه فقهاء الحنابلة بين الفاسد والباطل: في النكاح.
فالباطل عندهم: ما أجمع العلماء على بطلانه واتفقوا على بطلانه، كنكاح خامسة، أو نكاح المعتدة. فمثلا نكاح امرأة خامسة هذا باطل، لأن الإنسان لا يجوز له أن ينكح أكثر من أربع، كما قال -عز وجل: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3]، كذلك أيضًا نكاح المعتدة من الغير، فلو أن امرأة طُلقت أو مات عنها زوجها، وتزوجها شخص في عدتها؛ فهذا النكاح نكاحا باطلا لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235]
وأما الفاسد: فهو ما اختلف فيه العلماء، كالنكاح من غير ولي، فلو أن امرأة زوجت نفسها من غير وليٍّ فإن نكاحها فاسد، وإنما قلنا إنه فاسد لأن فيه خلافًا بين العلماء:
فمن العلماء وهو مذهب أبي حنيفة: فإنهم يرون أن الثَّيب الرَّشيدة إذا زوَّجت نفسها فإن النكاح صحيح وأنه لا يشترط الولي لنكاح الثيب.
ولكن القول الراجح: أن هذا النكاح يعتبر فاسدًا، لأن النبي ﷺ قال: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِي وَشَاهِدَي عَدْلٍ»[4].
قال المؤلف -رحمه الله: (وَالْبَاطِلُ: مَا لا يَتَعَلَّقُ بِهِ النُّفُوذُ وَلا يُعْتَدُّ بِهِ).
فالباطل من العبادات: ما لا تبرأ به الذمة ولا يسقط به الطلب.
والباطل من المعاملات: ما لا تترتب آثار فعله عليه.
ولنضرب لذلك أمثلة يتضح بها المقام:
الباطل من العبادات: ما لا تبرأ به الذمة ولا يسقط به الطلب، فمَن صلَّى من غير وضوء فإن صلاته باطلة، لأن الوضوء شرطٌ من شروط صحة الصلاة، لقول النبي- صلى الله عليه وسلم: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ أحَدِكُمْ إذا أحْدَثَ حتَّى يَتَوَضَّ»[5]، كذلك لو صلَّى بغير سترة -أي من غير أن يستر عورته- فهذه الصلاة تعتبر باطلة وفاسدة، أو صلى من غير استقبالٍ للقبلة مع قدرته على ذلك، أو صلَّى الفرضَ جالسًا من غير عذر شرعي، فإن صلاته باطلة وإن شئت فقل: فاسدة.
وأما الباطل من المعاملات: فهو ما لا تترتب آثار فعله عليه، كما لو باعَ بعد نداء الجمعة الثاني، أو باعَ شيئًا لا يملكه، أو باعَ شيئًا لا يقدر على تسليمه، ونحو ذلك مما فُقد فيه شرطٌ من شروط البيع أو وُجد فيه مانع من الموانع.
ثم قال المؤلف -رحمه الله: (وَالْفِقْهُ: أَخَصُّ مِنَ العِلْمِ، وَالْعِلْمُ: مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ في الْوَاقِعِ.
وَالْجَهْلُ: تَصَوُّرُ الشَّيْءِ عَلَى خِلافِ مَا هُوَ فِي الْوَاقِعِ.
وَالْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ: مَا لا يَقَعُ عَنْ نَظَرٍ وَاسْتِدْلال، كَالْعِلْمِ الوَاقِع بِإِحْدَى الحَوَاسِّ الخَمْسِ التِي هِيَ: السَّمْع، وَالبَصَر، وَالشَّم، وَالذَّوْق، وَاللُّمْس؛ أَو التَّواتُر.
وَأَمَّا الْعِلْمُ الْمُكْتَسَبُ: فَهُو الْمَوْقُوفُ عَلَى النَّظَرِ وَالاسْتِدْلالِ.
وَالنَّظَرُ: هُوَ الْفِكْرُ فِي الْمَنْظُورِ فِيهِ.
وَالاسْتِدْلالُ: طَلَبُ الدَلِيلِ.
وَالدَّلِيلُ: هُوَ الْمُرْشِدُ إِلَى الْمَطْلُوبِ.
وَالظَّنُّ: تَجْوِيزُ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَظْهَرُ مِنَ الآخَرِ.
وَالشَّكُّ: تَجْوِيزُ أَمْرَيْنِ لا مَزِيَّةَ لأحًدِهِمَا عَلَى الآخَرِ)
.
قوله -رحمه الله: (وَالْفِقْهُ: أَخَصُّ مِنَ العِلْمِ)، لأن العلم يكون بالفقه وبالفهم وبغير ذلك، فالعلم يشمل جميع العلم، سواء كان ذلك من علوم الشريعة أم من غيرها، فالفقه بهذا الاعتبار بعضٌ من العلم، لأن الإنسان يعلمُ علم الطب، وعلم الهندسة، وعلم الحديث، وعلم العقيدة، وعلم الفقه، فالفقه بعضٌ من العلم، ولهذا قال: (وَالْفِقْهُ: أَخَصُّ مِنَ العِلْمِ).
ثم قال: (وَالْعِلْمُ: مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ)، أي: معرفة المعلوم على حقيقته، هذا يسمى علمًا، أمَّا تصوره على غير حقيقته فإنه لا يسمى علمًا؛ بل يسمى إمَّا جهلًا وإمَّا ظنًّا.
قال: (وَالْجَهْلُ: تَصَوُّرُ الشَّيْءِ عَلَى خِلافِ مَا هُوَ بِهِ).
الجهل نوعان:
النوع الأول: عدم التصور مطلقًا.
النوع الثاني: أن يتصور على غير ما هو عليه، وأن يصفه بغير ما هو عليه في الحقيقة، هذا هو الجهل.
ثم الجهل نوعان:
الأول: جهل بسيط، وهو عدم العلم.
الثاني: جهلٌ مركب، وهو أن يجهل أنه جاهل، وهذا أعظم من الأول.
فلو أن شخصًا سُئِلَ متى كانت حجة الوداع؟ فقال: الله أعلم؛ فهذا جهلٌ بسيطٌ. ولو سئل شخصٌ متى كانت حجة الوداع؟ فقال: كانت في السنة الخامسة من الهجرة؛ فهذا جهل مركب، لأن هذه الإجابة جهل، وهو يجهل أنه جاهل، وهو أقبح من الأول.
ثم قال -رحمه الله: (وَالْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ: مَا لا يَقَعُ عَنْ نَظَرٍ وَاسْتِدْلال، كَالْعِلْمِ الوَاقِع بِإِحْدَى الحَوَاسِّ الخَمْسِ التِي هِيَ: السَّمْع، وَالبَصَر، وَالشَّم، وَالذَّوْق، وَاللُّمْس؛ أَو التَّواتُر).
لما كان العلم إدراك المعلوم على ما هو عليه إدراكًا جازمًا مطابقًا؛ فإن هذا العلم باعتبار طريق الوصول إليه نوعان:
النوع الأول: العلم الضروري، وهو ما يُدرك بضرورة العقل عند كلِّ أحدٍ، كالعلمِ بأن السَّماء فوقنا وأن الأرض تحتنا، فهو علم لا يحتاج إلى نظر، ولا يحتاج إلى استدلال، ولا يحتاج إلى تأمل؛ لأنه يُدرك بداهةً.
وضابط العلم الضروري: أنه ما أُدرك بأحد طرقين.
الأول: الحواس الخمس وهي: السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس.
الثاني: الخبر المتواتر.
النوع الثاني من أنواع العلم: العلم المكتسب، وهو الذي يحتاج إلى إقامة الدليل عليه، وهذا لا يدركه كلُّ أحد، لأنه يتوقَّف على نظرٍ واستدلالٍ، فمَن وُفِّق للنَّظر والاستدلال الصَّحيح؛ أدرك هذا النوع من العلم وهو العلم المكتسب، ومن لم يوفَّق إلى النظر والاستدلال والتأمل؛ فإنه لا يدرك هذا العلم ، كالعلم بأحكام الصلاة، وأحكام سجود السهو، فإن معرفة أحكام الصلاة ومعرفة أحكام سجود السهو تحتاج إلى نظر وتأمل في شروطها، وأركانها، وواجباتها، ومن حيث وقوع السهو ،ومن حيث المكان الذي حصل فيه السهو، وهل هو ركن أو واجب؛ إلى غير ذلك مما يختلف النظر فيه بحسب أسبابه وبحسب أماكنه.
ثم قال المؤلف -رحمه الله: (وَالنَّظَرُ: هُوَ الْفِكْرُ فِي الْمَنْظُورِ فِيهِ).
لما كان العلم النظري هو القائم على النظر والتأمل والاستدلال؛ ناسب أن يعرفهما المؤلف -رحمه الله- فبدأ بتعريف النَّظر، فقال: (وَالنَّظَرُ: هُوَ الْفِكْرُ فِي الْمَنْظُورِ فِيهِ).
النظر نوعان:
الأول: نظر حسي. والثاني: ونظر معنوي.
فالنظر الحسي: هو التأمل في الشيء بالعين.
والنظر المعنوي: هو التأمل والتفكر لإدراكه وتحصيله، فيتأمَّل ويفكِّر ويُعمل فكره وعقله لتحصيله.
والمراد بقول المؤلف: (وَالنَّظَرُ: هُوَ الْفِكْرُ فِي الْمَنْظُورِ فِيهِ) هو النظر المعنوي، لأنه هو الذي يُحتاج إليه في الأمور الشرعية، فإنَّ الباحثَ في الأحكام الشرعية يحتاجُ إلى أمور ثلاثة:
أولًا: النظر في دليل المسألة.
ثانيًا: النظر في تنزيل الدليل على المسألة.
ثالثًا: النظر في المسائل التي ليس فيها نصٌّ صريحٌ واضحٌ في نصوص الكتاب والسنة، وذلك من خلالِ النَّظر في الأقيسة، ومقاصد الشريعة، والمصالح، وما أشبه ذلك.
ثم قال المؤلف -رحمه الله: (وَالاسْتِدْلالُ: طَلَبُ الدَلِيلِ، وَالدَّلِيلُ: هُوَ الْمُرْشِدُ إِلَى الْمَطْلُوبِ).
الاستدلال: هو طلب الدليل؛ لأن الهمزة والسين والتاء إذا دخلت على الفعل فإنها تدل على الطلب.
والدليل في اللغة: هو المرشد إلى المطلوب.
وأما اصطلاحًا، فالدليل: هو ما يُتوصَّل به إلى الأحكام، أي: ما يصح بالنظر فيه والتأمُّل التَّوصُّل للحكم الشَّرعي المطلوب.
وعرف بعض العلماء الدليل بأنه: ما يُتوصَّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوبٍ خبري.
وكلا التعريفين صحيح، ولكن التعريف الأول أوضح وأخصر وأبين.
ثم قال المؤلف -رحمه الله: (وَالظَّنُّ: تَجْوِيزُ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَظْهَرُ مِنَ الآخَرِ.
وَالشَّكُّ: تَجْوِيزُ أَمْرَيْنِ لا مَزِيَّةَ لأحًدِهِمَا عَلَى الآخَرِ)
.
لما ذكر المؤلف -رحمه الله- تعريف أصول الفقه وما ينبني على تعريفه من العلم والجهل كان من المناسب أن يتكلَّم عمَّا بينهما -أي عما بين العلم والجهل- وهما الظَّنُّ والشَّك، لأن مراتب المعلوم خمس: علمٌ، وظنٌّ، وشكٌّ، وظنٌّ، ووهمٌ.
فالعلم: هو إدراك الشيء على حقيقته إدراكًا جازمًا مطابقًا.
والشكُّ: هو التردد بين أمرين لا مزيَّة لأحدهما على الآخر.
فإن ترجَّح أحدهما على الآخر فالرَّاجح ظنٌّ والمرجوح وهمٌ، وأمَّا الجهل فهو عدمُ العلم.
وليعلم أن الشك عند الفقهاء -رحمهم الله- يطلق على الظَّنِّ أو على غلبة الظنِّ، ولهذا إذا قال الفقهاء -رحمهم الله: وإن شكَّ في صلاته أو وإن شك في طوافه، ونحو ذلك؛ فالشك عندهم هنا يشمل الأمرين: فيشمل غلبة الظن، ويشمل التردد، فالشك عندهم في مقابل العلم، فالعلم: هو الأمر المتيَقَّن. والشَّك: ما كان ظنًّا أو غلبة ظنٍّ، أو تردَّد فيه تردُّدًا لا مزية لأحدهما على الآخر.
واعلم أن الشك في الأحكام الشرعية لا يُلتفت إليه ولا يعتبر في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: إذا كان الإنسان كثير الشكوك بحيث لا يفعل عبادةً إلا شكَّ فيها، فإن توضأ شك، وإن صلى شك، وإن طاف شك، وإن رمى الجمرات شك، ونحو ذلك؛ فهذا يعتبر مرضًا ووسواسًا، لا يلتفت إليه، ولا يركن إليه؛ بل الواجب عليه أن يتعوَّذ بالله -عز وجل- منه.
المسألة الثانية مما لا يلتفت فيه إلى الشك: إذا كان الشك مجردَ وهمٍ لا حقيقة له، أي أنه خاطرة مرَّت على قلب الإنسان وليس لها حقيقة، فحينئذٍ لا يلتفت إلى هذا الشك.
المسألة الثالثة من المسائل التي لا يلتفت فيها إلى الشك: إذا كان الشك بعد انقضاءِ العبادة، وبعد الفراغِ من العبادة، فإنه لا يُلتفت إليه، كمن صلَّى ثم شكَّ، أو توضأ ثم شكَّ؛ فإن هذا الشك لا يعتبر إلا كان شكًّا حقيقيًّا.
فإذا قال قائل: ما الدليل على أنه لا يُلتفت إلى الشك بعد الفراغ من العبادة؟
فالجواب: أن الدليل على ذلك أن العبادة متى صدرت من أهلٍ فإن الأصل فيها الصِّحة والسَّلامة، فكل عبادة اعتُبرت فيها الأهلية وصدرت من أهلٍ فالأصل فيها الصحة والسلامة، وأن العبادة وقعت موقعها.
والدليل على أن كل فعل صدر من أهله فالأصل فيه الصحة والسلامة: حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: «يا رسولَ اللَّهِ إنَّ قومًا يأتونا بلَحمٍ لا ندري ذُكِرَ اسمُ اللَّهِ علَيهِ أم لا؟ قالَ: سمُّوا أنتُمْ وَكُلو»[6]، مع احتمال أن هؤلاء القوم لم يسموا، لكن لما كان الفعل صادرًا من أهلٍ؛ حكم النبي ﷺ بصحته وبسلامته.
إذا هذه ثلاث مسائل لا يلتفت فيها إلى الشك ولا يعتبر:
المسألة الأولى: إذا كان الإنسان كثير الشكوك بحيث لا يفعل عبادة إلا شك فيها.
المسألة الثانية: إذا كان الشك مجردَ وهمٍ لا حقيقة له.
المسألة الثالثة: إذا كان الشك بعد الفراغ من العبادة.
وقد جمع شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- جمع هذه المسائل الثلاث في منظومته بقوله:
والشك بعد الفعل لا يؤثر وهكذا إلى الشكوك تكثر
أو تك وهم مثل وسواس فدع لكل وسواس يجئ به لكع
ثم قال المؤلف -رحمه الله: (وَأُصُولُ الْفِقْهِ: طُرُقُهُ عَلَى سَبِيلِ الإِجْمَالِ، وَكَيْفِيَّةُ الاستِدْلالِ بِهَ).
لما عرف المؤلف -رحمه الله- علم أصول الفقه باعتبار مفرديه، باعتبار كلمة "أصل" وباعتبار كلمة "فقه"؛ شرع في تعريف علم أصول الفقه باعتباره لقبًا لهذا الفن، وعَلَمًا على هذا الفن، فقال -رحمه الله: (طُرُقُهُ عَلَى سَبِيلِ الإِجْمَالِ، وَكَيْفِيَّةُ الاستِدْلالِ بِهَ).
فقوله: (طُرُقُهُ)، الضمير هنا عائدٌ إلى أقرب مذكورٍ وهو الفقه، أي: طرق الفقه.
والمراد بالطرق هنا: الأدلة، أي أدلة الفقه.
قوله: (عَلَى سَبِيلِ الإِجْمَالِ)، أي معرفة الأدلة الإجماليَّة، احترازا من الأدلة التفصيليَّة، فإنها من شأن علم الفقه.
وقوله: (وَكَيْفِيَّةُ الاستِدْلالِ بِهَ)، الضمير هنا عائدٌ على الطرق -أي الأدلة- وهي إشاراتٌ لدلالات الألفاظ واستخراج الأحكام منها.
هذا هو تعريف علم أصول الفقه على ما مشى عليه المؤلف -رحمه الله-، وقد بيَّنا فيما سبق تعريفًا أدق وأحسن مما قال المؤلف، وأن علم أصول الفقه يُعرَّف بأنه علمٌ يبحث عن أدلة الفقه الإجماليَّة، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.
وقولنا: "أدلة الفقه الإجمالية" يُراد به القواعد العامة، كقولهم: "الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، والصحة تقتضي النفوذ، والفساد أو البطلان يقتضي عدم النفوذ، ونحو ذلك"، فخرج بذلك الأدلة التفصيلية، فإنها لا تُذكر في أصول الفقه إلا على سبيل التمثيل للقاعدة فق.
وقولنا: "وكيفية الاستفادة منها" المراد بذلك معرفة كيف تستفيد الأحكام من أدلتها، وذلك بدراسة أحكام الألفاظ ودلالاتها من عمومٍ وخصوصٍ، وإطلاقٍ وتقييدٍ، وناسخٍ ومنسوخ، ونحو ذلك، فإنه بإدراكه يستفيد من أدلة الفقه ومن أحكامها.
وقولنا: "وحال المستفيد" المراد بالمستفيد: المجتهد، سمي مستفيدًا لأنه يستفيد الأحكام من أدلتها، ولأنه بلغ درجة الاجتهاد ومرتبة الاجتهاد، فهو ليس مقلدًا لغيره، وليس تبعًا لغيره، وقد ذكر أهل العلم -رحمهم الله- أن المجتهدين على أقسام متعددة:
القسم الأول: المجتهد المطلق: وهو الذي يستنبط الأحكام من أدلتها من غير أن يقلِّد أحدًا أو يتبع أحدًا، كالأئمة الأربعة، فإنهم كانوا يستنبطون الأحكام الشرعية من أدلتها من غير أن يقلدوا أحدًا من العلماء، إلا على سبيل الموافقة.
القسم الثاني من أقسام المجتهدين: مجتهدٌ بين المذاهب، بحيث أنه لا يتقيد بمذهبٍ من المذاهب الأربعة، بل يتأمَّل وينظر في الأدلة، فما وافق الأدلة من الأقوال أخذ به، سواء وافق مذهبه أم لا، ومن هؤلاء من الحنابلة موفَّق الدين ابن قدامة، والنووي -رحمه الله- من الشافعية؛ فإنهم كانوا لا يتقيَّدون بمذهبهم الخاص؛ بل قد يخرجون عن مذهبهم وعن أقوال إمامهم، وعن الروايات المعتمدة في المذهب تبعًا للدليل.
القسم الثالث من أقسام المجتهدين: مجتهدٌ في المذهب بمعنى أنه ينظر في المذهب من أقوال وروايات وأوجه ونحو ذلك؛ فيختار منها ما يكون أقرب للدليل.
القسم الرابع: مجتهد في باب من الأبواب، بحيث أنه يبذل جهده وطاقته في معرفة هذا الباب وفي إدراكه، وغالبًا -بل أكثر- ما يكون ذلك في باب الفرائض وفي علم المواريث، فتجد أن من العلماء مَن يكون مجتهدًا في هذا الباب دون بقية الأبواب.
القسم الخامس: مجتهدٌ في مسألة من المسائل، بحيث أنه يبحث هذه المسألة، وينظر في أدلتها، ويرجح ما دل عليه الدليل، وصدَّقه التعليل.
هذا ما تيسر الكلام عليه في هذه الحلقة، ونسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعًا الإخلاص في القول والعمل، وأن يوفِّقنا لهداه، ويجعل عملنا في رضاه، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

[1] صحيح البخاري (6491)، صحيح مسلم (131).
[2] أخرجه ابن ماجه (4228)، وأحمد (18024).
[3] صحيح البخاري (6875).
[4] صحيح ابن حبان (4075)، المعجم الأوسط للطبراني (6: 264).
[5] صحيح البخاري (6954)، صحيح مسلم (225).
[6] أخرجه البخاري (7398).
 

المزيد إظهار أقل
تبليــــغ

اكتب المشكلة التي تواجهك

سلاسل أخرى للشيخ