الدرس السادس

فضيلة الشيخ د. سامي بن محمد الصقير

إحصائية السلسلة

11336 10
الدرس السادس

الورقات

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، أمَّا بعد، فقد تقدم الكلام على العام، وذكر المؤلف -رحمه الله- أنَّ ألفاظه أربعة:
الأول: الاسم الواحد المعرف بالألف واللام.
والثاني: اسم الجمع المعرف بالألف واللام.
وتوقف بنا الكلام على الثالث من ألفاظ العموم، وهو الأسماء المبهمة، (كَـ "مَنْ" فِيمَنْ يَعْقِلُ، وَ "مَا" فِيمَا لا يَعْقِلُ، وَ "أَيٍّ" فِي الْجَمِيع، وَ "أَيْنَ" فِي الْمَكَانِ، وَ "مَتَى" فِي الزَّمَانِ، وَ "مَا" فِي الاسْتِفْهَامِ وَالْجَزَاءِ وَغَيْرِهِ، وَ "لَا" في النَّكِرَاتِ) وكلها تدل على العموم.
والأسماء المبهمة ثلاثة أنواع:
الأول: أسماء الشرط.
والثاني: الأسماء الموصولة.
والثالث: أسماء الاستفهام.
وسميت مُبهمة لأنها لا تفيد المعرفة بعين خاص من الأعيان، وقد مثَّل المؤلف -رحمه الله- بأمثلة للأسماء المبهمة، سواء كانت استفهامية أو شرطية أو موصولة، فالأول: (أي للاستفهام) كقوله -عز وجل-: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم:73]، وقول النبي ﷺ للرجل الذي سأله فقال: أيُّ الإسْلَامِ خَيْرٌ؟ قالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وتَقْرَأُ السَّلَامَ علَى مَن عَرَفْتَ ومَن لَمْ تَعْرِفْ»[1]، وهي تأتي لِمَن يعقل ومن لا يعقل.
مثال استعمالها للذي يعقل: كما في الآية السابقة، ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا﴾.
ومثال استعمالها لغير العاقل: قول الله -عز وجل-: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:227].
قال: (وَأَيْنَ) كقوله -عز وجل-: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:78].
(ومتى) التي تدل على الزمان، كقوله -عز وجل-: ﴿حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:214] أي: في أي وقت يكون نصر الله -عز وجل! فهذا اللفظ عام في جميع الأوقات.
وقوله -رحمه الله-: (كَـ "مَنْ" فِيمَنْ يَعْقِلُ، وَ "مَا" فِيمَا لا يَعْقِلُ)، (مَنْ) للعاقل، و (مَا) لغير العاقل.
مثال (مَنْ) الموصولة، قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد:15].
ومثال (مَنْ) الاستفهامية قول الله -عز وجل-: ﴿قَالُوا مَن فَعَلَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:59]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:122].
ومثال (مَنْ) الشرطية قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:185]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:2].
وكذلك (ما) تأتي موصولة واستفهامية وشرطية، وكلها تدل على العموم.
مثال (ما) الموصولة، قول الله تعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:24]، وقال -عز وجل-: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:198].
ومثال (ما) الاستفهامية، قوله -تبارك وتعالى-: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:65]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [البقرة:26].
ومثال (مَا) الشرطية، قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة:97].
قال المؤلف -رحمه الله-: (وَلا في النَّكِرَاتِ) هذا هو اللفظ الرابع، ومُراد المؤلف بهذا اللفظ، النكرة في سياق النفي والنهي، وعبر بـ (لَا) لتشمل الجميع.
والنكرة هي ما يدل على واحد غيرِ مُعين، كلفظ: "رجل"؛ فإنه يدل على فرد من أفراد بني آدم من غير تعيين، فإذا جاءت (لَا) ناهية أو نافية، ثم جاء بعدها اسم نكرة؛ فإنه يدل على العموم.
مثال (لَا) النافية، كما في قولك: لا إله إلا الله، فـ (لَا) نافية، و "إله" نكرة، فتفيد نفي جميع المعبودات من دون الله -عز وجل-.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:197]، فهي نفي لعموم: الرفث، والفسوق، والجدال، فالنكرة في سياق النفي تفيد العموم، والنكرة تفيد العموم إذا جاءت على صيغة النفي سواءٌ كان بـ "ما، أو لن، أو لم، أو ليس"، وسواء دخل حرف النفي على فعل أو على اسم.
ومن أمثلة العموم فيها، قوله -تبارك وتعالى-: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ [البقرة:48]، أي: لا تجزي أي نفس عن أي نفس شيئًا.
وقول النبي ﷺ: «لا وَصيَّةَ لوارِثٍ»[2]، فهذا النَّفي يشمل كل وصية.
ثم قال المؤلف -رحمه الله-: (وَالْعُمُومُ مِنْ صِفَاتِ النُّطْقِ، وَلا يَجُوزُ دَعْوَى الْعُمُومِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْفِعْلِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ)، أي أنَّ العموم لا يأتي بالفعل إلا أن يكون منطوقًا قولاً.
وقوله: (وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ) الضمير عائد على الفعل، فمعنى الكلام: أنه لا تجوز دعوى العموم في غير النطق من الفعل، والذي يجري مجرى الفعل: المعاني والإشارة، سواء كانت من عاجز عن النطق أم من غيره، فإنه لا يصح العموم به، ولهذا فالأفعال لا عموم فيها.
ومن أمثلة ذلك حديث بلال -رضي الله عنه-، قال: «صلى النبي ﷺ في الكعبة». فهذا لا يدل على عموم الصلاة، إذ لو قلنا: إنه يدل على عموم الصلاة، فمعناه أنه يجوز أن تُصلى فيها النافلة والفريضة، وتكون الصلاة في الكعبة أفضل مُطلقًا، ولكن لَمَّا كان الفعل لا عموم له، فإنه لا يدل ذلك.
ثم قال المؤلف -رحمه الله-: (وَالْخَاصُّ يُقَابِلُ الْعَامَّ، وَالتَّخْصِيصُ: تَمْيِيزُ بَعْضِ الْجُمْلَةِ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى مُتَّصِلٍ وَمُنْفَصِلٍ، فَالْمُتَّصِلُ: الاسْتثْنَاءُ، وَالتقييد بالشَّرْطُ، وَالتَقْيِيدُ بِالصِّفَةِ).
لَمَّا فرغ المؤلف -رحمه الله- من ذكر عام ذَكَرَ ما يقابله، وما يرد عليه وهو الخاص، والخاص في اللغة بمعنى المنفرد، ومنه قولك: "اختصصته بكذا"، أي: أفردته بكذا.
وأمَّا اصطلاحًا فعرفه المؤلف بقوله: (وَالْخَاصُّ يُقَابِلُ الْعَامَّ)، أي أنه مقابل للعام، وبخلاف العام فهو تعريف للشيء بمقابلة.
وقوله: (وَالتَّخْصِيصُ: تَمْيِيزُ بَعْضِ الْجُمْلَةِ) أي: قَصْرُ العام على بعض أفراده، إذا قام الدليل على التخصيص، فالتخصيص هو بيان لِمَ لم يكن مقصودًا دخوله في اللفظ فأخرج بالتخصيص، ومعنى التخصيص: أن يأتي لفظ عام؛ فإنه يحمل على عمومه، فيأتي دليل آخر فيخرج بعض ألفاظ هذا العام من العموم.
مثال ذلك، قول الله -عز وجل-: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:5]، فلفظ المشركين هنا لفظ عام، يتناول كل مشرك، لكن دَلَّتْ الأدلة على إخراج بعض المشركين من ذلك، كالمعاهد، والمستأمن، والذمي، والمرأة، والطفل، والشيخ الكبير، ونحو ذلك، فهذا يُسمى تخصيصًا.
قال -رحمه الله-: (وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى مُتَّصِلٍ وَمُنْفَصِلٍ، فَالْمُتَّصِلُ: الاسْتثْنَاءُ، وَالشَّرْطُ، وَالتَقْيِيدُ بِالصِّفَةِ).
المخصص وهو الدليل الذي يحصل به التخصيص، ينقسم إلى قسمين:
متصل ومنفصل، فالمتصل هو الذي يكون متصلاً باللفظ العام، فيأتيان في جملة واحدة أو في كلام واحد، كقول الله -عز وجل-: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت:14]، فقوله: ﴿إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ متصل بما قبله.
والقسم الثاني: المنفصل، وهو أن يرد دليل أو نص عام، ثم يأتي نص آخر يخصص هذا العموم، ومن أمثلة ذلك قول الله -عز وجل-: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:141]، فهذا اللفظ عام في كل ما يحصد، سواء كان قليلا أو كثيرًا، وسواء كان مما يُكال ويدخر أو لا.
لكن وردت السنة بتخصيص هذا العموم في قول النبي ﷺ: «وليسَ فِيما دُونَ خَمْسِة أوسق صَدَقَةٌ».
ثم قال المؤلف -رحمه الله-: (فَالْمُتَّصِلُ: الاسْتثْنَاءُ، وَالتَقْيِيدُ بالشَّرْطُ، وَالتَقْيِيدُ بِالصِّفَةِ) هذه هي أنواع المخصصات المتصلة التي ذكرها المؤلف -رحمه الله-، وهي: (الاسْتثْنَاءُ، وَالشَّرْطُ، وَالتَقْيِيدُ بِالصِّفَةِ) ثم بين ذلك بقوله: (وَالاسْتِثْنَاءُ: إِخْرَاجُ مَا لَوْلاهُ لَدَخَلَ فِي الكَلامِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى مِنَ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ شَيْءٌ، وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلاً بِالْكَلامِ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الْمُسْتَثْنى عَلَى الْمُسْتَثْنى مِنْهُ، وَيَجُوزُ الاسْتِثْنَاءُ مِنَ الجِنْسِ وَمِنْ غَيْرِهِ) هذا هو الأول من المخصصات المتصلة، وهو الاستثناء.
والاستثناء عرفه المؤلف بقوله: (إِخْرَاجُ مَا لَوْلاهُ لَدَخَلَ فِي الكَلامِ)، فإذا قلت مثلا: "أكرمت الطلبةَ إلا زيدًا"، فلفظ الطلبة يشمل الجميع، ولكنك أخرجت فردًا من أفراد هذا العموم بقولك: "إلا زيدًا"، ومنه ما تقدم من قول الله -عز وجل-: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت:14]، حيث أخبر -سبحانه وتعالى- أنَّ نوحًا -عليه الصلاة والسلام- لَبِثَ في قومه ألف سنة، ثم خصص منها خمسين عامًا، فهنا ورد الاستثناء على العموم، فدل على التخصيص.
ثم ذكر المؤلف -رحمه الله- شرطين لصحة الاستثناء ولكونه مُعتبرًا:
الشرط الأول، ذكره بقوله: (وَإِنَّمَا يَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى مِنَ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ شَيْءٌ) فلا بد أن يبقى بعد الاستثناء شيء من المستثنى منه، فلو كان الاستثناء يُخرج جميع المستثنى منه لم يصح، ولصار لغوًا من القول لا قيمة له، فلا يصح مثلا أن تقول: "له عليَّ عشرة إلا عشرة"؛ لأنه حينئذ لم يبق شيء، ولكن يصح أن تقول: "له عليَّ عشرة إلا ثلاثة".
واختلف العلماء -رحمهم الله- في الاستثناء فيما زاد على النصف، أو ما فوق النصف، بأن تقول: "له عليّ عشرة إلا سبعة" أو "إلا ستة"، فهل يصح أو لا يصح؟
ذهب جمهور العلماء إلى أنه يصح، فيجوز أن تقول: "له عليَّ عشرة إلا تسعة"، فما دام أنه يبقى شيء؛ فإنه يصح.
والقول الثاني: وهو مذهب الحنابلة: لا يصح استثناء ما زاد عن النصف، فلا يصح أن تقول: "له عليَّ عشرة إلا ستة". قالوا: لأنه يُعتبر لغوًا من القول؛ ولأنَّ ذلك لم يَرِد في لغة العرب.
ولكنَّ الصواب هو ما ذهب إليه الجمهور، وهو صحة الاستثناء بشرط أن يبقى شيء من المستثنى منه.
الشرط الثاني، ذكره بقوله: (وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلاً بِالْكَلامِ)، أي: أن يتصل المستثنى بالمستثنى منه بدون أن يفصل بينهما فاصل، فإن فَصَلَ بينهما فاصل، فإنَّ الاستثناء حينئذ لا يصح، فلو قلت مثلا: "أكرم الطلبة"، وبعد زمن قلت: "إلا زيدًا"، فإنَّ هذا الاستثناء لا يَصح، وذلك لأنَّ الكلام الثاني يكون أجنبيًا عن الكلام الأول، فلا يبنى عليه لوجود الفاصل بينهما.
ومن شروط الاستثناء أيضًا، وهذا لم يذكره المؤلف: "أن يكون الاستثناء من متكلم واحد"، فلا يصح أن يكون من غير المتكلم، فلو أنَّ شخصًا قال: "أكرم الطلبة"، ثم قال آخر: "إلَّا زيدًا"، فإنَّ هذا الاستثناء لا يصح؛ لأنه ليس من متكلم واحد، ومن أمثلة ذلك قول النبي ﷺ: «مَنْ حَلَفَ على يَمِينٍ فقال: إنْ شاءَ اللهُ، فلا حِنْثَ عليهِ»[3]، فالإنسان إذا قال: "والله لأفعلنَّ كذا"، ثم قال: "إن شاء الله" فإنه إذا فَعَلَ، فلا كفارة عليه؛ لأنه استثنى، ولكن لو كان الاستثناء أو التعليق بالمشيئة من غير الحانث، ومن غير المتكلم كما لو قال: "والله لأفعلن كذا"، فقال آخر: "إن شاء الله"، فإنَّ هذا الاستثناء لا ينفع الحالف؛ لأنه لا بد أن يكون من متكلمٍ واحدٍ.
ولا بد أيضًا أن ينطق بالاستثناء، وأن يتلفظ به، فلو نواه بقلبه؛ فإنه لا يصح، ولهذا قال النبي ﷺ: «مَنْ حَلَفَ على يَمِينٍ فقال: إنْ شاءَ اللهُ، فلا حِنْثَ عليهِ»، والقول لا بد فيه من النطق باللسان؛ لأن ما يكون في القلب لا يُسمى قولا إلا مُقيدا، كما قال -عز وجل-: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ﴾ [المجادلة:8].
ثم قال المؤلف -رحمه الله-: (وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الْمُسْتَثْنى عَلَى الْمُسْتَثْنى مِنْهُ).
الأصل أنَّ المستثنى منه يأتي أولاً ثم يأتي المستثنى بعده، كقوله -عز وجل-: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:34]، ومما يدل عليه أيضًا، قول النبي ﷺ: «إني والله إنِّي واللَّهِ، إن شاءَ اللَّهُ، لا أحلِفُ على يَمينٍ، فأرى خيرًا منها، إلَّا كفَّرتُ عَن يميني، وأتيتُ الَّذي هوَ خيرٌ»[4].
ثم قال المؤلف -رحمه الله-: (وَيَجُوزُ الاسْتِثْنَاءُ مِنَ الجِنْسِ وَمِنْ غَيْرِهِ).
الأصل أنَّ الاستثناء يكون من جنس المستثنى منه، كما في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أنَّ النبي ﷺ قال: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَومَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ، فَهي حَرامٌ بحَرامِ اللَّهِ إلى يَومِ القِيامَةِ، لَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلِي ولا تَحِلُّ لأحَدٍ بَعْدِي، ولَمْ تَحْلِلْ لي قَطُّ إلَّا ساعَةً مِنَ الدَّهْرِ، لا يُنَفَّرُ صَيْدُها، ولا يُعْضَدُ شَوْكُها، ولا يُخْتَلَى خَلاها، ولا تَحِلُّ لُقَطَتُها إلَّا لِمُنْشِدٍ»، فقالَ العبَّاسُ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ: إلَّا الإذْخِرَ يا رَسولَ اللَّهِ، فإنَّه لا بُدَّ منه لِلْقَيْنِ والبُيُوتِ، فَسَكَتَ ثُمَّ قالَ: «إلَّا الإذْخِرَ فإنَّه حَلالٌ»[5]، فأخرج من جنس المستثنى منه؛ لأنَّ الإذخر من شجرها.
ومن أمثلة ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:42]، فمن اتبعه هو من عباد الله، لكن لو جاء الاستثناء من غير الجنس، فإنه يصح كما ذكر المؤلف -رحمه الله- أنه يصح الاستثناء من غير الجنس.
ومن أمثلة ذلك قول الله -عز وجل-: ﴿فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلّهُمْ أَجْمَعُونَ (31) إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَىَ أَن يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر:31]، ووجه ذلك أنَّ إبليس ليس من الملائكة الكرام -عليهم الصلاة والسلام-، ومع ذلك صحَّ الاستثناء.
ثم قال المؤلف -رحمه الله-: (وَالشَّرْطُ يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الْمَشْرُوطِ ويجوز أن يتأخر عن المشروط).
هذا هو الثاني من المخصصات المتصلة وهو الشرط، والشرط هو تعليق الحكم بـ "إنَّ أو إحدى أخواتها"، كما لو قلت: "إن جاءني زيد أكرمتُه"، ونحو ذلك.
وقوله -رحمه الله-: (وَالشَّرْطُ يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الْمَشْرُوطِ ويجوز أن يتأخر عن المشروط)، فالأصل أن يُبدأ بالحكم أولا، كقوله -تبارك وتعالى-: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾، ثم يأتي الشرط بعد ذلك، كقوله: ﴿إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء:12]، ولكن لا فرق في اللغة بين أن يتقدم الشرط أو أن يتأخر، فلو قال لامرأته: "أنت طالق إذا دخلت الدار"، أو قال: "إن دخلت الدار فأنت طالق"، فلا فرق بينهما.
ومن أمثلة تقدم الشرط، قول الله -عز وجل-: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:6]، فهنا بدأ بالشرط قبل المشروط.
واعلم أنَّ جواز الشرط وتأخره، إنما هو من حيث اللفظ، وأمَّا من حيث الحكم فلا يجوز بل ولا يصح، فلا يصح أن يتقدم المشروط على الشرط، بل يجب تقدم الشرط على المشروط.
ثم قال المؤلف -رحمه الله-: (وَالْمُقَيَّدُ بِالصِّفَةِ يُحملُ عَلَيْهِ الْمُطْلَقُ كَالرَّقَبَةِ قُيِّدَتْ بِالإِيمَان فِي بَعضِ الْمَوَاضعِ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ).
المخصص الثالث: التقييد بالصفة؛ لأنَّ اللفظ إذا ورد مُطلقًا من غير تقييد، ثم ورد مُقيدًا؛ فإنه يُحمل المطلق على المقيد، سواء كان في حكم واحد أم في أكثر من حكم.
وقد مثَّل المؤلف -رحمه الله- في ذلك بقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:92]، فالرقبة جعلها الله تعالى خصلة من خصال الكفارة، في كفارة القتل، وفي كفارة الظهار، وفي كفارة اليمين، ووردت بها السنة أيضًا في كفارة الجماع في نهار رمضان، فالرقبة خصلة من خصال الكفارة في هذه الأنواع الأربعة.
ووردت مقيدة بالإيمان في موضع واحد، وهو: كفارة القتل، حيث قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، وأمَّا في كفارة اليمين، فلم تقيد، قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة:89]، ولم يقيد الرقبة بالإيمان.
كذلك أيضًا في كفارة الظهار، وهكذا في كفارة الجماع في نهار رمضان، حيث قال النبي ﷺ للرجل الذي جامع امرأته في نهار رمضان: «أتجد رقبة» ولم يقل: "أتجد رقبة مؤمنة"، ولكنَّ كثيرًا من حملوا المطلق على المقيد، فاشترطوا في الرقبة التي تُعتق أن تكون مؤمنة، واستدلوا لذلك بأمرين:
أولاً: حمل المطلق على المقيد، فما ورد من النصوص في الرقبة مُطلقًا؛ فإنه يحمل على المقيد في كفارة القتل.
ثانيًا: أنَّ وصف الإيمان علة باعثةٌ على الحكم، فإنَّ النبي ﷺ لَمَّا قال للجارية: «أين الله؟» قالت: في السماء. قال: «أعتِقْها؛ فإنَّها مؤمنَةٌ»[6]، أي: لإيمانها أعتقها، وهذا يدل على اعتبار وصف الإيمان.
ثالثًا: أنَّ إعتاق غير المؤمن من سائر الكفار قد يكون فيه ضرر على المسلمين؛ لأنَّ الكافر إذا عَتَق ربما ذهب إلى الكفار، وكان عَونًا لهم على المسلمين.
واعلم أنَّه إذا اجتمع مُطلق ومُقيد فلا يخلو من أربع حالات:
الحال الأولى: أن يتحدا في الحكم والسبب، فهنا يحمل المطلق على المقيد باتفاق العلماء، ومن أمثلة ذلك قول النبي ﷺ في حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما: «وجُعِلتِ لِيَ الأرضُ مَسجدًا وطَهورًا»[7]، مع قوله: «وجُعلت تُرْبَتُهَا لنا طَهُورًا» فهنا قد اتحدَ سبب الحديثين وهو الأرض، واتحد حكمهما وهو الطهارة، فيُحمل المطلق على المقيد، وهو أنَّ الحديث الثاني قُيد بالتربة في قوله: «وجُعلت تُرْبَتُهَا لنا طَهُورا»، وعلى هذا فلا بد في التيمم من أن يكون بتراب.
هذا ما ذهب إليه أكثر العلماء، وحملوا المطلق هنا على المقيد، وقالوا: إنه لا يصح التيمم إلا بالتراب.
القول الثاني في هذه المسألة: إنَّ هذا ليس من حمل المطلق على المقيد، وذلك أنَّ قوله ﷺ في حديث جابر: «وجُعِلتِ لِيَ الأرضُ مسجدًا وطَهورًا» هذا لفظ عام، وقوله: «وجُعلت تُرْبَتُهَا لنا طَهُورا» هذا فردٌ من أفراد العام، فالتراب جزءٌ من الأرض، فلا يَقتضي هذا أن يُخصص التيمم بما كان ترابًا، بل يجوز التيمم بكل ما تَصَاعَدَ على وجه الأرض، لقوله -عز وجل-: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، وعلى هذا فيكون الحديث الثاني وهو قوله ﷺ: «وجُعِلَتْ تُرْبَتُها لنا طَهُورًا»[8] فردًا من أفراد عموم قوله ﷺ: «وجُعِلتِ لِيَ الأرضُ مسجدًا وطَهورًا»، فلا يقتضي التخصيص.
ونظير ذلك، لو قلت لك: "أكرم الطلبة"، ثم قلت لك: "أكرم زيدًا" وهو من الطلبة؛ فإنَّ هذا لا يقتضي التخصيص، بل يقتضي أنَّ زيدًا له مزيد عناية على غيره، وهذا مبني على قاعدة، وهي: أنه إذا ورد لفظٌ عام، ثم ورد فردٌ من أفراد هذا العام؛ فإنه لا يقتضي التخصيص.
ويأتي إن شاء الله تعالى بقية الكلام على أحوال اجتماع المطلق والمقيد في الدرس القادم.
أسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعًا الإخلاص في القول والعمل، وأن يُوفقنا للهدى، وأن يجعل عملنا في رضاه، إنَّه جواد كريم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
-------------------------------
[1] أخرجه البخاري (12)، ومسلم (39).
[2] رواه أبو داود (2870) والترمذي (2120) والنسائي (3671) وابن ماجه (2713) والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود.
[3] أخرجه أبو داود (3261)، والنسائي (3828) بنحوه، وابن ماجه (2106)
[4] خرجه البخاري (6623) واللفظ له، ومسلم (1649)
[5] أخرجه البخاري (1834) واللفظ له، ومسلم (1353).
[6] أخرجه أبو داود (3284)، وأحمد (7893).
[7] أخرجه أحمد (2742).
[8] رواه مسلم (522).
 

المزيد إظهار أقل
تبليــــغ

اكتب المشكلة التي تواجهك

سلاسل أخرى للشيخ