الدرس التاسع

فضيلة الشيخ د. سامي بن محمد الصقير

إحصائية السلسلة

11336 10
الدرس التاسع

الورقات

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلي آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛ فقد قال -رحمه الله تعالى: (تنبيه في التعارض.
إِذَا تَعَارَضَ نُطْقَانِ فَلا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَا عَامَّيْنِ، أَوْ خَاصَّيْنِ، أَوْ أَحَدُهُما عَامًّا وَالآخَرُ خَاصًّا، أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما عَامَّا منْ وجْهٍ خَاصًّا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.
فَإِنْ كَانَا عَامَّيْنِ فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا يُجْمَعْ، فإنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ يُتَوَقّفْ فِيهِمَا إِنْ لَم يُعْلَمِ التَارِيخُ، فَإنْ عُلِمَ التَّارِيخُ نُسِخَ الْمُتَقَدِّمُ بِالْمُتأَخِّرِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَا خَاصَّيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَامًّا وَالآخَرُ خَاصَّا فَيُخَصُّ الْعَامُّ بِالْخَاصِّ، وَإِنْ كَان كُلُّ مِنْهُمَا عَامًّا مِنْ وَجْهِ وَخَاصًّا مِنْ وَجْهٍ فَيُخَصُّ عُمُومُ كلّ مِنْهُمَا بِخُصُوص الآخَرِ)
.
شرع المؤلف -رحمه الله- في الكلام على التعارض، والتعارض بين الأدلة معناه التقابل، بحيث أن كل نصّ يقابل النص الآخر، والواجب على المؤمن أولًا أن يعتقد أن جميع النصوص الشرعية من كتاب الله -عز وجل- ومما صح عن رسوله ﷺ لا تعارض بينها في الواقع، وإنما التعارض يكون في ذهن المجتهد وفي ذهن العالم، أمَّا في الواقع فلا تعارض بينها؛ لأنها من عند الله تعالى، وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
ولكن إذا حصل عند المجتهد أو عند العالم تعارض بين نصين؛ فإنَّ الواجب عليه أولاً أن يجمع بينهما قدر الإمكان، فيجمع بين النَّصين سواء كانا من كتاب أم من سنة، بأن يحمل هذا على حالٍ وهذا على حالٍ، فإن لم يمكن الجمع بينهما، فإن عُلم التاريخ فالمتأخر ناسخ للمتقدم، وإن لم يُعلم التاريخ، فإنه يسلك مسلك التَّرجيح بين هذه الأدلة المتعارضة أو بين النصوص المتعارضة، فإن لم يمكن التَّرجيح فحينئذٍ الواجب عليه التَّوقف، فهذه أربع مراحل مرتَّبة تُسلك حينما يحصل تعارض بين نصين سواء كانا من كتاب أم من سنة.
فأولًا: يجب الجمع بينهما قدر الإمكان، فإذا أمكن الجمع فهو الواجب؛ لأنَّ في الجمع إعمالًا لكلا الدليلين، وفي الترجيح أو النسخ إبطال لأحدهما، ومعلوم أنَّ إعمال الدليلين أولى من إبطال أحدهما.
ومن أمثلة ذلك قول النبي ﷺ: «إِذَا دَخَلَ أحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلاَ يَجْلِسْ حتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» ، فالحديث عام لكل داخلٍ، وعام في كل زمن، مع نهيه ﷺ عن الصلاة بعد العصر، وعن الصلاة بعد الفجر، فيجمع بينهما بأن يُحمل هذا على حالٍ وهذا على حالٍ، فبينهما عموم وخصوص وجهي، فقوله ﷺ: «إِذَا دَخَلَ أحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلاَ يَجْلِسْ حتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ»، عام في الزمان، خاص بتحية المسجد، وقوله: «لا صَلاةَ بعْدَ الفَجْرِ حتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ، ولا بعْدَ العَصْرِ حتَّى تَغرُبَ» ، عام في كل صلاة لا يكون لها سبب، وتحيَّة المسجد من الصَّلوات التي لها سبب، وعلى هذا فيحصل الجمع بين الحديثين.
ثانيًا: إن لم يمكن الجمع بينهما فإن علم التاريخ فالمتأخر ناسخ للمتقدم، وإن لم يعلم فالواجب الترجيح، فإن أمكن وإلا وجب التوقف.
ثم قال المؤلف -رحمه الله: (وَأَمَّا الإجْمَاعُ فَهُوَ: اتِّفَاقُ عُلَمَاءِ أَهْلِ العَصْرِ عَلَى الْحَادِثَةِ، وَنَعْنِي بِالْعُلَمَاءِ الْفُقَهَاءَ، وَنَعْنِي بِالْحَادِثَةَ: الْحَادِثَةَ الشَّرْعِيَّةَ. وَإِجْمَاعُ هَذِهِ الأُمَّةِ حُجَّة دُونَ غَيْرِهَا؟ لِقَوْلِهِ: «لا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلالَةٍ»، وَالشَّرْعُ وَرَدَ بِعِصْمَةِ الأُمَّةِ، وَالإجْمَاعُ حُجَّة عَلَى الْعَصْرِ الثَّانِي، وَفِي أَيِّ عَصْرٍ كَانَ).
شرع المؤلف -رحمه الله- في الكلام على الإجماع، والإجماع في اللغة: بمعنى العزم والاتفاق.
وأما شرعًا: فهو اتفاق المجتهدين من أمة محمد ﷺ بعد وفاته على حكم شرعي، فالإجماع إنما ينعقد من المجتهدين دون غيرهم، والإجماع حجَّة لقول الله -عز وجل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]، وقال النبي ﷺ: «لَّا تَجْتَمِعَ أُمَّتِي عَلَى ضلالَةٍ» .
والشرع ورد بعصمة هذه الأمة، أي بعصمتها من أن تجتمع أو أن تتفق على أمر مخالف لشريعة الله عز وجل.
والإجماع هو أحد الأدلة الشرعية، فهو الدليل الثالث من أدلة الشريعة، وهو حجة متى ثبتَ في أي أصل كان.
قال المؤلف -رحمه الله-: (وَلا يُشْترَطُ فِي حُجِّيَّتِهِ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ عَلَى الصَّحِيحِ)، أي: لا يُشترط لكون الإجماع حُجَّة على العصر الثَّاني من قِبَل المجتمعين من العصر الأول، لا يشترط في ذلك انقراض عصرهم، بل متى أجمعوا على حكم شرعي حِلًّا أو حرمة، صحة أو فسادًا؛ فإن هذا الحكم ثابت وباقٍ، ويكون حجة على مَن جاء بعدهم، ولهذا قال: (وَلا يُشْترَطُ فِي حُجِّيَّتِهِ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنْ قُلْنَا: "انْقِرَاضُ الْعَصْرِ شَرْط"، فيُعْتَبَرُ قَوْل مَنْ وُلدَ فِي حَيَاتِهِمْ وَتَفَقَّه وَصَارَ مِنْ أَهْلِ الاجْتهَادِ، فَلَهُمْ أن يَرْجِعُوا عَنْ ذَلِكَ الحُكْم)، فلو أنهم أجمعوا على حكم من الأحكام، ووُلد في حياتهم مجتهدٌ، وصارَ من أهل الاجتهاد وخالفهم في ذلك، فعلى القول باشتراط انقراض العصر، لا يكون إجماعًا.
قال المؤلف-رحمه الله: (وَالإجْمَاعُ يَصِحُّ بقَوْلِهِمْ، وَبِفِعْلِهِمْ، وَبِقَوْلِ الْبَعْض وَبِفعْلِ الْبَعْضِ وَانتشَارِ ذَلِكَ القَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ وَسُكُوتِ الْبَاقِينَ عَلَيْهِ).
الإجماع تارة يكون بالقول، وتارة يكون بالفعل، فيصحُّ الإجماع بالقول بأن ينطق المجتهدون في حكم هذه المسألة ويتفق عليها، ويكون الإجماع بالفعل أيضًا بأن يُفعل هذا الشيء في زمنهم من غير نكيرٍ.
قال: (وَبِقَوْلِ الْبَعْض وَبِفعْلِ الْبَعْضِ وَانتشَارِ ذَلِكَ)، أي أن بعض المجتهدين إذا قال قولًا أو فعل فعلًا وانتشر بينهم ولم يُنكَر؛ فإنه يكون إجماعًا ويسمَّى إجماعًا سكوتيًّا.
ثم قال المؤلف -رحمه الله: (وَقَوْلُ الْوَاحِدِ مِنْ الصَّحَابَةِ لَيْسَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِه، عَلَى الْقَوْلِ الْجَدِيدِ).
الصحابي: كل من اجتمع بالنبي ﷺ مُؤمنًا به ومات على ذلك، قال الحافظ ابن حجر في نخبة الفكر: "ولو تخللت ردة في الأصح".
والصحابة من حيث الاحتجاج بأقوالهم على أقسام ثلاثة:
القسم الأول: من نصَّ الشَّارع على أن قوله حجة فيُحتج به كالخلفاء الراشدين، ولا سيما أبو بكر وعمر، قال النبي ﷺ: «فَعَلَيْكُم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ» ، وقال في أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما: «فإنْ يُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ يَرْشُدُوا» .
القسم الثاني من أقسام الصحابة من حيث الاحتجاج بأقوالهم: مَن لم ينص الشارع على أن قوله حجة، ولكنه عُرف بالفقه في الدين، كابن عباس وابن عمر وابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهم من فقهاء الصحابة -رضي الله عنهم- فهؤلاء يحتجُّ بأقوالهم.
القسم الثالث: ما سوى القسمين السابقين، أي من لم ينص الشارع على أنَّ قوله حجَّة ولم يُعرف بالفقه في الدين كأعرابيٍّ قدم إلى النبي ﷺ وسأله ثم ذهبَ إلى أهله، فمثل هذا لا يُحتج بقوله.
ثم إن الصحابي إنما يحتج بقوله بشرطين:
الشرط الأول: ألا يعارِضَ نصًّا، فإن عارض نصًّا فإن المقدم هو النص.
الشرط الثاني: ألا يخالفه صحابي آخر، فإن خالفه صحابي آخر طُلب المرجح منهما من الأدلة الشرعية والقواعد المرعية.
ثم قال المؤلف -رحمه الله: (وَأَمَّا الأخبَارُ فَالْخَبَرُ: ما يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ)، فكل كلام يحتمل أن يكون صدقًا ويحتمل أن يكون كذبًا فهو الخبر.
قال: (وَالْخَبَرُ يَنْقَسِمُ إِلَى: آحَادٍ، ومُتَوَاتِرٍ.
فَالْمُتَوَاتِرُ مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ، وَهُوَ: أَنْ يَرْويَهُ جَمَاعَة لا يَقَعُ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ عَنْ مِثْلِهِمْ، وَهَكَذَا إِلَى أنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْمُخْبَرِ عَنْهُ، فَيَكُونُ فِي الأصلِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ أَوْ سمَاعٍ، لا عَنِ اجْتِهَادٍ)
.
هذا هو التواتر، أن يروي جماعة يستحيل في العادة أن يتواطؤوا على الكذب، ويُسندوا هذا الخبر إلى أمرٍ محسوسٍ من مشاهدةٍ، أو سمعٍ، أو شمٍّ، أو ذوقٍ ونحو ذلك، لا عن اجتهاد.
قال: (وَالآحَادُ - وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْعَمَلَ، وَلا يُوجِبُ الْعِلْمَ)، أي العلم اليقيني.
قال: (وَيَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: مُرْسَلٍ، وَمُسْنَدٍ، فَالْمُسْنَدُ: مَا اتَّصَلَ إِسنَادُهُ)، احترازًا من المنقطع.
قال: (وَالْمُرْسلُ: مَا لَمْ يَتَّصِلْ إِسْنَادُهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ مَرَاسيلِ غَيْرِ الصَّحَابَةِ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ، إِلا مَرَاسيلَ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ فَإنَّها فُتِّشَتْ فَوُجِدَتْ مَسَانِيدَ عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولِذَلِكَ احْتَجَّ النَّاسُ بهَا)، وهذا المبحث -أعني ما يتعلق بالتواتر والآحاد والاتصال والانقطاع والإرسال والمراسيل ونحوها- مبحثه في علم المصطلح، وإنما ذكره الأصوليون هنا استطرادًا، وإلا فإنَّه ليس من مباحث هذا الشَّأن، إذ الشَّأن أنه يُبحث في علم مصطلح الحديث.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وَالْعَنْعَنَةُ تَدْخُلُ عَلَى الأَسَانِيد)، العنعنة هي قول الراوي في روايته عمن تلقى عنه: "عن فلان" بأن يقول مثلًا: "حدثنا فلان عن فلان عن فلان".
والمراد بدخولها على الأسانيد: أي أنها تدخل على حكمه، فيكون الحديث المروي بها في حكم المسند.
ثم قال -رحمه الله: (وَإِذَا قَرَأَ الشَّيْخُ يَجُوزُ لِلْرَّاوِي أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي)، أي إذا كان الشيخ الذي يروي له الحديث هو القارئ فإن الذي يأخذ عنه الحديث ويأخذ عنه الرواية يجوز أن يقول: "حدثني"، ويجوز أن يقول: "أخبرني".
قال: (وَإنْ قَرَأَ هُوَ عَلَى الشَّيْخِ)، أي أن الطالب هو الذي قرأ على الشيخ، قال: (فَيَقُولُ: أَخْبَرَنِي. وَلا يَقُولُ حَدَّثَنِي)، لأن الشيخ لم يحدثه.
قال: (وَإِنْ أَجَازَهُ الشَّيْخُ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةٍ فَيَقُولُ الرَّاوِي: أَجَازَنِي، أوْ أَخْبَرَنِي إِجَازَةً)، ولا يقول: "حدثني أو أخبرني" ويسكت، لأنه إذا قال: "أخبرني" أو "حدثني" فإنه يُوهِم أن الشيخ قرأ عليه، أو أنه قرأ هو على الشيخ.
ثم انتقل المؤلف -رحمه الله- إلى الكلام على الدليل الرابع من الأدلة الشرعية وهو القياس.
والقياس في اللغة: بمعنى المساواة.
وأما اصطلاحًا فعرفه المؤلف بقوله: (رَدُّ الْفَرْعِ إِلَى الأَصْلِ بِعِلّةٍ تَجْمَعُهُمَا فِي الْحُكْمِ)، هذا هو تعريف القياس عند المؤلف -رحمه الله- والأحسن أن نعرف القياس بأن نقول: إن القياس هو إلحاق فرعٍ بأصلٍ في حكمٍ لعلة جامعة.
وشرح ذلك: القياس له أربعة أركان:
الأول: أصل.
الثاني: فرع.
الثالث: علة.
الرابع: حكم.
فمثلا تقول: يجري الربا في الأرز قياسًا على البُر بجامع أن كلا منهما مكيلًا مدَّخرًا.
- فالبر: أصل.
- والأرز: فرع.
- والعلة: أنه مكيل مدخر.
- والحكم: جريان الربا.
هذا هو القياس.
والقياس -كما تقدم- هو أحد الأدلة الشرعية الأربعة، وله أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، فكل مثلٍ ضربه الله تعالى في كتابه أو بينه رسوله ﷺ في خطابه فهو دليل على القياس، لأن الأمثال نوع من القياس؛ بل هي قياس.
ثم قال المؤلف -رحمه الله: (وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلاثَةِ أقْسَامٍ: إلَى قِيَاسِ عِلّةٍ، وَقِيَاسِ دَلالَةٍ، وَقِيَاسِ شَبَهٍ.
فَقِيَاسُ الْعِلَّةِ: مَا كانَتْ الْعِلّةُ فِيهِ مُوجِبَةً لِلْحُكْمِ)
، أي يلزم منها وجود الحكم، بحيث لا يحسُن عقلًا أن يتخلَّف الحكم مع وجود العلة، ولو تخلَّف عنها لم يلزم منه محالٌ كما هو شأن العلل الشرعية.
من أمثلة ذلك: قياس تحريم ضرب الوالدين على التأفيف، بل هذا يعتبر قياس أولوية، فقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23]، فإذا نهي عن التأفيف فما كان أشد منه فهو أولى، فإنه لا يحسن في العقل أن يُباح الضرب مع تحريم التأفيف.
قال: (وَقِيَاسُ الدَّلالَةِ: هُوَ الاسْتِدْلالُ بِأَحَدِ النَّظِيرَيْنِ عَلَى الآخَرِ، وَهُوَ: أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ دَالَّةً عَلَى الْحُكْمِ، وَلا تَكُونَ مُوجِبَةَ لِلْحُكمِ).
وهذا النوع من القياس أضعف من النوع الأول، وهو غالب الأقيسة.
ومن أمثلة ذلك: قياس مال الصبي على مال البالغ في وجوب الزكاة، فتجب الزكاة في مال الصبي كما تجب الزكاة في مال البالغ، بجامع أنه مال نامٍ، ولأن فيه حقًا للفقراء ونحوهم من المستحقين للزكاة.
قال -رحمه الله: (وَقِيَاسُ الشَبَهِ: هُوَ الْفَرْعُ الْمُرَدَّدُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ، وَلَا يُصَارُ إِلَيْهِ مَع إِمْكَانِ مَا قَبْلَهُ).
قياس الشبه: هو أن يكون الفرع مترددا بين أصلين، فيحتمل أن يُلحق بهذا ويحتمل أن يلحق بهذا، كالعبد، فهو من حيث إنه مخلوقٌ مكلَّفٌ من حيث الأصل يشبه الحر، ومن حيث إنه يُباع ويُشترى يشبه البهيمة؛ وحينئذ يلحق بأقربهما شبهًا.
قال رحمه الله: (وِمِنْ شَرْطِ الْفَرْعِ أَنْ يَكُونَ مُنَاسبًا للأصْلِ).
ومعنى مناسبة الفرع للأصل: أن يكون المعنى الشرعي القائم على المصلحة الشرعية الذي من أجله حُكم على الأصل أن يكون موجودًا في الفرع، ليصحَّ قياسه على الأصل ونقل حكمه له.
والمناسبة في القياس: هو ما كانت علته وصفًا ظاهرًا منضبطًا ينبني على التعليل به جلب مصلحة أو دفع مفسدة.
قال: (وَمِنْ شَرْطِ الأصلِ أَنْ يَكُونَ ثابِتًا بِدَلِيلٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ)، هذا من شروط الأصل، أن يكون ثابتًا بدليل من الكتاب والسنة أو الإجماع، فما لم يثبت بدليل لا يصح القياس عليه، ولا يصح أن يكون أصلًا لغيره، فلا يجوز أن يكون ثابتًا في القياس، فهو في الحقيقة فرعٌ يحتاج إلى غيره في إثبات حكمه، لا أن يثبت به حكم لغيره.
قال -رحمه الله: (وَمِنْ شَرْطِ العِلَّةِ أَنْ تطَّرِدَ فِي مَعْلُولاتِهَا فَلا تَنْتَقِضُ لَفْظًا وَلا مَعْنَى)، أي أن العلة التي يصح القياس عليها من شرطها أن تكون مطَّردة -أي مستمرة- لا تتناقض، فالعلة المطردة هي العلة المنضبطة التي لا تتخلف بحيث إنها تكون ملازمة للحكم، فتثبت عند ثبوته وتنتفي عند انتفائه.
قال: (وَمِنْ شَرْطِ الْحُكْمِ، أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الْعِلَّةِ فِي النَّفْي، وَالإِثْبَاتِ)، أي في الوجود والعدم، فإن وُجدت العلة وُجد الحكم، أي أن من شرط الحكم اتِّحاده مع العلة نفيًا وإثباتًا، فإذا وُجدت العلة وُجد الحكم، وإذا انتفت العلة انتفى الحكم، وهذا ما يعبَّر عنه عند العلماء بقولهم: "الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا".
قال: (وِالْعِلّةُ: هِيَ الْجَالِبَةُ للحُكْمِ)، هذا تعريف من المؤلف -رحمه الله- للعلة، فالعلة: هي المعنى الذي من أجله شُرع الحكم، ومعنى "من أجله شرع الحكم" أي أن الحكم الشرعي إنما شُرع لوجود هذا المعنى فيه، فمثلًا: الإسكار علة في تحريم الخمر، فإذا وُجد الإسكار حرُم الشراب سواء كان خمرًا أم غيره؛ لأن علة التحريم هي الإسكار وقد وجدت.
قال: (وَأَمَّا الْحَظْرُ وَالإِبَاحَةُ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الأَشْيَاءَ عَلَى الحَظَرِ إلا مَا أَبَاحَتْهُ الشَّرِيعَةُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الإبَاحَةِ فَيُسْتَمْسَكُ بِالأَصْلِ وَهُوَ الحَظْرُ، ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ بِضدِّهِ، وَهُوَ أَنَّ الأَصْلَ فِي الأَشْيَاءِ الإبَاحَةُ إِلا مَا حَظَرَهُ الشَّرْعُ).
شرع المؤلف -رحمه الله- في بيان حكم الأشياء قبل أن يرد فيها دليل شرعي، هل هي على الإباحة أو الحظر -وهو المنع؛ فذكر -رحمه الله- قولين:
- الأول: أن الأشياء على الحظر.
- الثاني: بضد ذلك وهو إن أصلها على الإباحة.
والتحقيق في هذه المسألة أن يقال: إن الأشياء على أقسام أربعة:
القسم الأول: العبادات، فالأصل في العبادات الحظر والمنع، فلا يتقرب إلى الله -عز وجل- بعبادة إلا إذا عُلم أنَّ الشرع أذن فيها وشرعها، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21]، وقال النبي ﷺ: «مَن عَمِلَ عَمَلًا ليسَ عليه أمْرُنا فَهو رَدٌّ» ، وفي رواية: «مَن أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليسَ فِيهِ، فَهو رَدٌّ» ، فالأصل في جميع العبادات المنع والحظر، فلا يُتعبَّد لله تعالى بعبادة إلا إذا عُلم أن الشارع قد أذن فيها وقد شرعها، وعلى هذا فلو تنازع شخصان في مشروعية عبادة، فقال أحدهما: هي مشروعة. وقال الآخر: ليست مشروعة، فالقول قولُ من ينفيها؛ لأنَّ الأصل هو المنع، إلا أن يأتي من ادعى مشروعيتها بدليل يدل على ذلك.
القسم الثاني: المعاملات من بيع وإيجاره ورهن وحَوالة وضمان وكفالة وشفاعة وغيرها؛ فالأصل فيها الحل والإباحة، لقول الله -عز وجل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، فمن ادَّعى تحريم معاملة من المعاملات فعليه الدليل، فلو تنازع شخصان في حِلِّ معاملة وفي حرمتها، فقال أحدهما: هي حلال، وقال الآخر: هي حرام؛ فالقول قول من يقول إنها حلال، لأن الأصل في المعاملات الحل والإباحة.
القسم الثالث: الأعيان، أي ما خلقه الله تعالى من الأعيان من حيوانات وأشجار وثمار وغيرها، فالأصل فيها الحل والإباحة، فمن ادَّعى تحريم حيوان أو تحريم ثمر فعليه الدليل؛ لعموم قوله -تبارك وتعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: 13]، ولأن الله -عز وجل- خلق لنا ما في السماوات وما في الأرض جميعًا، فكل ما خلقه الله تعالى في هذا الكون أنه مخلوق لنا، فالأصل فيه الحل والإباحة.
القسم الرابع: العادات، أي ما اعتاده الناس من المآكل والمشارب والملابس والمراكب وغير ذلك من العادات، الأصل فيه الحل والإباحة، إلا إذا كان فيه مخالفة للشَّرع، فحينئذٍ يكون محرَّمًا.
ثم قال المؤلف -رحمه الله: (وَمَعْنَى اسْتِصحَابِ الْحَالِ: أَنْ يَسْتَصْحِبَ الأَصْلَ عِنْدَ عَدَمِ الدَلِيلِ الشَّرْعِي).
الاستصحاب: استفعال من الصحبة، وهي الملازمة والمداومة، وعرَّف المؤلف -رحمه الله- الاستصحاب بقوله: (أَنْ يَسْتَصْحِبَ الأَصْلَ عِنْدَ عَدَمِ الدَلِيلِ الشَّرْعِي)، أي عند عدم وجود الدليل الشرعي لهذه المسألة.
فمثلًا إذا لم يقم الدليل على حرمة نوع من أنواع الطعام فإننا حينئذٍ نستصحب الأصل، ونقول: إن الأصل فيه الحل والإباحة، لعموم قول الله -عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، وقال -عز وجل: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: 13].
كذلك أيضا إذا شككنا في مشروعية عبادة بأن ترددنا هل هي مشروعة أو ليست بمشروعة؛ فإننا نستصعب الأصل وهو عدم مشروعيتها.
ومن أمثلة ذلك: أن نشك في حلِّ معاملة أو في حرمتها، فنستصحب الأصل وهو أنَّ الأصل في المعاملات الحل والإباحة.
وكل هذا داخل فيما ذكرناه آنفا من أن الأشياء على أقسام أربعة:
- العبادات: والأصل فيها الحظر والمنع.
- والمعاملات: والأصل فيها الحل والإباحة.
- والأعيان: والأصل فيها الحل والإباحة.
- والعادات والأصل فيها أيضا الحل والإباحة.
ثم قال المؤلف- رحمه الله: (وأَمَّا الأَدِلَّةُ فَيُقَدَّمُ الْجَلِيُّ مِنْهَا عَلَى الْخَفِيِّ، وَالْمُوجِبُ لِلْعِلْمِ عَلَى الْمُوجِبِ لِلْظَنِّ، وَالنُّطْقُ عَلَى الْقِياسِ، وَالْقِيَاسُ الْجَلِيُّ عَلَى الْخَفِيِّ، فَإِنْ وُجِدَ فِي النُّطْقِ مَا يُغَيِّرُ الأصلَ، وَإِلا فَيُسْتَصْحَبُ الْحَالُ).
شرع المؤلف- رحمه الله- في بيان صورٍ من صورِ التعارض بين الأدلة وما يقدم من الأدلة عند التعارض، وهذه الصور التي ذكرها المؤلف- رحمه الله- هي في تعارض الأدلة باعتبار دلالاتها على الأحكام، وذلك أن دلالة اللفظ على الحكم منها ما يكون جليًّا واضحًا ومنها ما يكون خفيًّا، فإذا تعارض في المسألة دليلان أحدهما واضح جلي، والآخر خفي من حيث الدلالة، فإنه يُقدم الواضح الجلي على الخفي.
وضابط الجلي: ما يُعقل معناه من لفظه.
وضابط الخفي: هو الذي لا يُفهم ولا يُدرك إلا بالتَّأمل والتَّدبر.
ثم قال المؤلف- رحمه الله: (وَالْمُوجِبُ لِلْعِلْمِ عَلَى الْمُوجِبِ لِلْظَنِّ)، أي عند التَّعارض يُقدم الدليل الموجب للعلم على الموجب للظن، الموجب للعلم باعتبار سنده هو القرآن والخبر المتواتر والإجماع الثابت، وما عداهما يوجِب الظن كخبر الآحاد ونحو ذلك، فإذا تعارض دليلان أحدهما يفيد العلم كما لو كان في القرآن، والآخر يفيد الظن كما لو كان خبرَ آحاد في السنة، فإنه يقدم ما في القرآن لأنه يفيد العلم.
قال- رحمه الله: (وَالنُّطْقُ عَلَى الْقِياسِ)، المراد بالنطق: ما في الكتاب والسنة، فإذا تعارضَ نص من الكتاب أو السنة مع القياس فإنَّ النص هو المقدم، لقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59].
قال- رحمه الله: (وَالْقِيَاسُ الْجَلِيُّ عَلَى الْخَفِيِّ)، أي إذا كان هناك قياس جلي وقياس خفي فإن القياس الجلي يُقدَّم والقياس الجلي هو قياس المعنى والقياس الخفي هو قياس الشَّبه، وقيل إن القياس الجلي ما تُفهم علته، والخفي بخلاف ذلك، وذلك أن القياس عند الأصوليين باعتبار قوته وضعفه قسم إلى قسمين:
القسم الأول: القياس الجلي، وهو ما كان أحد ثلاث صور:
- أن يُقطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع.
- أو أن تكون علته منصوصة.
- أو أن تكون علته مجمًعًا عليها.
فمتى كان القياس مقطوعًا فيه بنفي الفارق بين الفرع والأصل، أو كانت علته منصوصة -أي نص الشارع عليها-، أو كانت علته مجمَعًا عليها؛ فهذا هو القياس الجلي الواضح.
وأما القياس الخفي فهو ما لم توجد فيه أحد هذه الأمور الثلاثة السابقة.
ثم قال- رحمه الله: (فَإِنْ وُجِدَ فِي النُّطْقِ مَا يُغَيِّرُ الأصلَ، وَإِلا فَيُسْتَصْحَبُ الْحَالُ)، وهذا تأكيد لما تقدم من استصحاب الحال، وهو المسألة إذا وجد فيها حكم شرعي فإنه يُعمل به، فإن لم يوجد فيها نصٌّ شرعي فيستصحب الحال، فإن كانت عبادةً فالأصل فيها الحظر والمنع، وإن كانت معاملة أو عينًا من الأعيان أو عادة من العادات فالأصل فيها الحل والإباحة.
وليُعلم أن الأحكام الشرعية من حيث العلَّة:
- منها ما لا تُعقل علته، وهي الأحكام التَّعبدية.
- ومنها ما تعقل علته ومعناه.
ثم إن العلة الشرعية تارة تكون منصوصًا عليها، وتارة تكون مستنبَطة، ثم هذه المستنبطة تارة يكون متفقًا عليها، وتارة يكون فيها خلاف.
مثال العلة المنصوصة: قول الله -عز وجل: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: 145]، فالعلة: هي الرجس والنجاسة، فالعلة هنا منصوصة.
ومن العلة المنصوصة: قول النبي ﷺ: «إذا كُنْتُمْ ثَلاثَةً، فلا يَتَناجَى اثْنانِ دُونَ صاحِبِهِما، فإنَّ ذلكَ يُحْزِنُهُ» ، هذه علة منصوصة.
وقد تكون العلة مستنبَطة، وهذه المستنبطة التي يستنبطها المجتهد تارة يكون متفقًا عليها، وتارة يحصل فيها الخلاف.
مثال المتفق عليها: نهي النبي ﷺ القاضي أن يقضي وهو غضبان، فقد اتفق العلماء على أنَّ العلة من نهي القاضي أن يقضي وهو غضبان أن الغضب يوجب تشوش الفكر، والحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، فإذا تشوش فكره لم يتصوَّر القضية على ما هي عليه، وحينئذ يخطئ في الحكم، ومِن ثَمَّ قال الفقهاء: إن القاضي لو خالف -أي حكم وهو غضبان- فأصاب الحق نفذَ حكمه، لأننا إنما منعناه خشية ألا يصيب الحق، فإذا أصاب الحق حصل المقصود.
والنوع الثاني من أنواع العلة: ما يكون فيه خلاف من العلة المستنبطة كعلة الربا، هل العلة في الذهب والفضة الوزنيَّة أو الثمانيَّة أو لأنهما ذهب وفضة؟ وكذلك في الأربعة الباقية.
هذا ما تيسر الكلام عليه، أسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى، وأن يهب لنا منه رحمة، إنه هو الوهاب، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

المزيد إظهار أقل
تبليــــغ

اكتب المشكلة التي تواجهك

سلاسل أخرى للشيخ