الدرس الرابع

معالي الشيخ د. سعد بن ناصر الشثري

إحصائية السلسلة

3206 11
الدرس الرابع

فقه النوازل

{السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بكم أعزائنا المشاهدين في حلقة جديدة من برنامجكم "البناء العلمي"، نحن وإياكم في سلسلة علمية بعنوان "فقه النوازل" يقدمها معالي شيخنا، الشيخ الدكتور/ سعد بن ناصر الشثري، باسمي وباسمكم جميعًا أرحب بمعالي الشيخ}.
الله يحيك أهلًا وسهلًا، أرحب بك وأرحب بأحبتي من طلاب العلم الذين ينتسبون إلى هذا البرنامج بارك الله فيهم ورزقهم الله العلم النافع والعمل الصالح.
{لازال حديثنا يا معالي الشيخ عن أركان دراسة النوازل، فهل تفضلتم بالحديث عن هذه الأركان وتفصيلها}.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين، أما بعد،
فإن من أركان دراسة النوازل تصور النازلة، وتقدم الكلام فيها والبحث في كيفية التصور ابتداءً من معرفة الإنسان الفقيه بأجزاء هذه الواقعة التي نزلت بالناس والتي لم تكن في العصور السابقة، ثم بعد ذلك معرفة الأوصاف التي تُبنى عليها الأحكام، فإن الواقعة تشتمل على أوصاف متعددة، ومن ثَمَّ يكون من وظيفة الفقيه أن يعرف ما هي الأوصاف المؤثرة في الأحكام، وما هي الأوصاف غير المؤثرة؟
ولذلك فإن من أهم الواجبات في حق الفقيه أن يعرف الصفات التي تُبنى عليها الأحكام، وطرائق معرفة الصفات مُتعددة، وهذا ما يسمى بالعلل، فالعلة هي الوصف الظاهر المنضبط الذي يربط الشارع الحكم به، ويحصل من ترتيب الحكم عليه مصلحة مقصودة للشارع، وهناك طرائق متعددة لمعرفة الأوصاف التي تُبنى عليها الأحكام، فعندما يقوم الفقيه بجمع أوصاف النازلة التي وقعت في العصر الحاضر.
يبدأ بعد ذلك في معرفة الأوصاف المؤثرة من الأوصاف غير المؤثرة، فإن الأوصاف التي تكون مع الواقعة على نوعين:
النوع الأول: أوصاف مُؤثرة، وبعضهم يقول مُناسبة، وهناك أوصاف غير مُؤثرة ويقال لها الأوصاف الطردية، وهناك طرائق لمعرفة كون الأوصاف من الأوصاف الطردية، ولعلي أذكر نماذج من ذلك.
فمثلاً عدم ارتباط الوصف بالحكم في بعض الوقائع لغير سبب معروف، فهذا يدل على أن الوصف طردي غير مؤثر، وتخلف الحكم مع وجود الوصف قد يكون لوجود علة أقوى، وقد يكون لوجود مانع، وقد يكون لفوات شرط، ففي هذه الأحوال لا يكون تخلف الحكم عن الوصف مُؤثرًا، وإنما المؤثر ما إذا كان الوصف موجوداً ومع ذلك لم يوجد الحكم لغير سبب من هذه الأسباب السابقة.
وأضرب لك مثلاً: عندما تأتينا نوائعٍ جديدة من الخضروات أو الفواكه، فنجد أن الفقهاء يختلفون في جريان الربا فيها، فيأتي من يأتي ويقول: هذه الفاكهة الجديدة مطعومة، وبالتالي يجري فيها الربا كما قال بذلك بعض الشافعية، فيأتي الفقيه الآخر ويقول عندنا أصناف متعددة وجد فيها هذا الوصف وهو وصف الطعم ومع ذلك لم يوجد فيها حكم جريان الربا، ويبدأ يعدد بعض الأشياء التي تكون مطعومة ولا تكون مما يجري فيه الربا كما لو قال إن الخضروات لا يجري فيها الربا مع كونها مطعومة، فيدل ذلك على عدم اعتبار ذلك الوصف، هكذا من الأمور التي تدل على عدم اعتبار الوصف، أن يكون الوصف طردياً، بمعنى أن الشريعة لم تلتفت إليه في عموم الشريعة أو في ذلك الباب بخصوصه.
وأنا أضرب لذلك أمثلة: مثلاً في الإنسان هناك أوصاف طردية في جميع الأبواب، فمثلاً الطول والقصر هذه لا يبني عليها الشرع أحكامه، وبالتالي لا يمكن أن تجعل أوصافًا يربط الحكم بها، لماذا؟ لأنها أوصاف طردية في جميع أبواب الشريعة، وهناك أوصاف طردية في بعض الأبواب لكنها مؤثرة في أبواب أخرى، وفي أمثلة هذا مثلاً وصف الذكورة والأنوثة، فإنه مؤثر في بعض الأبواب مثل باب صلاة الجماعة، باب الأسفار والمحرمية فيه، وهو غير مؤثر في أبواب أخرى مثل أبواب الزكاة مثلاً أو غيره من الأبواب، فلما يأتي ونجد وصف الذكورية ووصف الأنوثة، فيكون هناك أبواب نعلم أن هذا الوصف لا يلتفت إليه في ذلك الباب ولا يكون له أي تأثير في أحكام ذلك الباب، وبالتالي يقال عنه بأنه وصف طردي.
وهكذا أيضًا هناك طرائق لبيان أن الأوصاف غير معتبرة ولا يلتفت إليها، وهي معروفة عند علماء الشريعة بالقوادح، هذه القوادح تدل على أن الوصف غير معتبر ولا يلتفت إليه، ولا يصح في جعل الوصف علة سلامته لا يصح أن يجعل دليل كون الوصف علة للحكم أن الوصف سالم من القوادح التي تقدح فيه، بل لا بدَّ أن يدل دليل على أنه من الأوصاف التي يربط الحكم بها، والأوصاف على أنواع، أدلة الأوصاف على أنواع، هناك أدلة صريحة تدل على كون الوصف علة، ومنه أدوات التعليل الصريحة.
ومن أمثلة ذلك كلمة (من أجل) كما في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِن أجْلِ البَصَرِ»، فعندما يأتينا شخص ويريد أن يحكم على الاطلاع على أحوال الآخرين بواسطة الوسائل الجديدة، فإننا نقول له: لا يجوز لك ذلك الاطلاع؛ لأنه قد علل في الخبر بإيجاب الاستئذان من أجل البصر، فكل ما فيه بصر واطلاع على حقائق الآخرين وخفاياهم وأسرارهم فإننا نمنع منه إلا إذا كان بإذن لهذا الخبر، فلو وضع مثلاً كاميرا مراقبة على بيت جيرانه، نقول: هذه مسألة نازلة، الركن الأول في الوصف تقدم معنا، الآن استخرجنا الأوصاف الموجودة في هذه النازلة، منها الاطلاع على خصائص الآخرين بدون إذنهم، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِن أجْلِ البَصَرِ» أو «النظر».
مثلاً أيضًا
من الأدوات: (إن وكي، ولام التعليل)، فهذه أدوات صريحة في الدلالة على كون الوصف علة، ومن أمثلة هذا مثلاً في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الهرة: «إنَّها منَ الطَّوَّافينَ عليكم أوِ الطَّوَّافاتِ»، في بيان أن سؤرها طاهر، فحينئذٍ الحيوانات الجديدة التي لم يعرفها الناس إلا في زمننا الحاضر وأصبحت تدخل بيوتاتهم ويألفونها، نحكم عليها بأنها طاهرة السؤر قياساً لها على الهرة بجامع كونها من الطوافين عليكم والطوافات؛ لأن لفظة "إنَّ" من أدوات التعليل.
هناك اختلاف أصولي في: "إنَّ" هل هي أداة صريحة أو هي من أدوات الإيماء، وعلى كل فالجماهير يرون أنها من الأدوات الصريحة، وهكذا من الأدوات: "لام التعليل" فإنها إذا جاءت مع الفعل دلت على كون الوصف الذي يليها علة للحكم السابق لها، "ليكون" هنا اللام (لام التعليل).
ومن أمثلة ذلك في قوله -جل وعلا-: ﴿وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُو﴾[التوبة: 122]، وهنا اللام "لام التعليل" ليتفقوا، وبالتالي نقول: بأن كل وسيلة يحصل بها التفقه فإنها تدخل في هذه الآية، فلو جاءنا مثلاً من يتعلم بواسطة مثل هذه البرامج في البناء العلمي من خلال الأكاديمية الإسلامية قيل له: إن يحصل المعنى والعلة التي قصدها الشارع في قوله: ﴿لِّيَتَفَقَّهُو﴾، فهنا هذا تعليل صريح "لام التعليل"، ومثله أيضًا لفظة: "كي" فإنها من أدوت التعليل الصريحة.
وهناك طرائق ليست صريحة لكنها منصوصة، ومن أمثلة ذلك: طرائق يسمونها طرائق الإيماء، ومن أمثلة ذلك: أن يأتي الحكم في اللفظ الشرعي مرتبًا على الوصف بالفاء، وبالتالي يقال: إن هذا الوصف هو علة ذلك الحكم، ومن أمثلته مثلاً في قوله -جل وعلا-: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَ﴾ [المائدة: 38]، فهنا "اقطعوا" حكم، وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ وصف، ورُتِّبَ الحُكم على الوصف بصيغة الفاء، فدل ذلك على أن الوصف علة لذلك الحكم.
ومن ثَمَّ نقول: كل سرقة ولو كانت بالطرائق الجديدة تأخذ ذلك الحكم، ويثبت لها به حكمه.
ومن أمثلة ذلك أيضًا: أن يُجعل الوصف فعلاً للشرط، وبالتالي يكون علة لجواب الشرط، ومن أمثلته قوله -عز وجل-: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7]، فنقول حينئذٍ هنا: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْر﴾ هذا هو فعل الشرط، و ﴿يَرَهُ﴾ جواب الشرط، وبالتالي فيه دلالة على مشروعية أفعال الخير.
فعندما يأتينا مثلاً إنسان ويقول: أنا أريد أن أنشر تلاوة قرآنية بواسطة الإنترنت، فنقول حينئذٍ: إنه داخل في ضمن هذه الآية؛ لأنَّ الجواب رتب على الشرط وبالتالي يكون الوصف علة لذلك الحكم، ومثله في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: 197]، "إن" هنا من أدوات التعليل الصريحة.
ومن أمثلة هذا: مثلاً فيما لو كان هناك وصف سُئل عنه ورتب الحكم عليه، مثلاً في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سُئل عن بيع الرطب بالتمر، الرطب هو الذي جُني من النخلة حديثاً، والتمر هو الذي تم تصنيعه ورصه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «هل يَنْقُصُ إِذَا جَفَّ؟» قالوا: نعم، قال: «فلا إذً»، وبالتالي هذا فيه إشارة إلى علة تحريم بيع المزابنة، وهو أنه ينقص حجمه متى تم تجفيفه وتصنيعه، ولذلك فالسلع التي توجد فيها علة الربا من كونها مكيلة مطعومة، فإننا حينئذٍ نمنع من بيع رطبها بيابسها، لماذا؟ لأنه ينقص حجمها متى تم تجفيفها، فإذا جاءتنا أي سلعة جديدة من المطعومات المكيلات، فإننا حينئذٍ نقول: إنه يجري فيها الربا متى كان حجمها ينقص عند جفافه ويبسه، ونوائع المطعومات والمكيلات كثيرة في عصرنا الحاضر مما لم يكن يعرفه أهل الزمان الماضي.
وهكذا من الطرائق ما لم كان مع الحكم وصف مناسب لتشريع الحكم، فإنه يدل على أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم، فهذه الطرائق النصية غير الصريحة يقال لها الإيماء، وهي الطرائق الإيمائية، وبالتالي إذا دلنا طريق من طرق الإماء على كون الوصف علة دل ذلك على التعليل وربط الحكم بذلك الوصف.
وهناك طريق ثالث، إذاً عندنا الطريق النصي الصريح والطريق النصي الإيمائي، وهناك طريق ثالث لمعرفة كون الوصف علة، ألا وهو الإجماع.
ومن أمثلة هذا: مثلاً في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لاَ يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ»، فقد أجمع العلماء على أن العلة هي تشوش الذهن، فكل ما يشوش الذهن فإنه يمنع من القضاء معه، وبالتالي فعندما يوجد أشياء جديدة تشوش الذهن، فإننا نقول حينئذٍ بمنع أن يقوم القاضي بالحكم في القضية مع وجودها، ومن أمثلة ذلك مثلاً: ما لو كان بين يديه شاشة تلفزيون أو كان معه جوال يطالع به الأخبار والوقائع ولا يستمع إلى كلام المتداعيين، فإنه حينئذٍ لا يصح هذا الحكم ولا يجوز له أن يحكم، لماذا؟ لأنه قد ثبت أن علة المنع من القضاء هو تشوش الذهن بواسطة الإجماع، وبالتالي فكل ما فيه تشويش للذهن فإنه يمنع من القضاء معه، ومن ذلك مطالعة هذه المواقع ومطالعة هذه الوسائل الحديثة.
الطريق الرابع من طرائق معرفة كون الوصف علة: وهو الطرائق الاستنباطية التي تكون بطريق الاجتهاد، وهي ثلاثة أنواع صحيحة وهناك أنواع اختارها بعضهم لكنها ليست طرائق صحيحة لمعرفة التعليل بها..
والطريق الأول الدوران، بحيث نجد أن الحكم الشرعي يرتبط بوصف مع وجوده وعدمه، فمن ثم نقول: بأن ذلك الوصف هو علة ذلك الحكم، ومن أمثلة هذا مثلاً: في مسألة الخمور، فإنه لما كان المشروب عصيراً لا إسكار فيه كان حلالاً، فلما أصبح خمراً فيه صفة الإسكار، كان حينئذٍ حرامًا، فلما زالت صفة الإسكار بكونه خلاً عندما تخلل بنفسه، قلنا إنه أصبح حلالاً بزوال صفة الإسكار، مما يدلنا على أن صفة الإسكار هي علة التحريم.
فهنا من أين أخذنا أن وصف الإسكار هو علة الحكم بالتحريم؟ من خلال الدوران، فإننا وجدنا أن الحكم يرتبط بهذا الوصف وجوداً وعدماً، مما يدل على أن ذلك الوصف هو علة الحكم، فيأتي المجتهد في زماننا الحاضر فيلحق الأشياء الجديدة والمشروبات التي لم تعرف إلا في عصرنا الحاضر بالخمور في التحريم لوجود وصف الإسكار.
والطريق الثاني من الطرق الاستنباطية لمعرفة كون الوصف علة: هو ما يتعلق السبر والتقسيم، والمراد بالتقسيم تعداد الصفات الموجودة في الموصوف الذي وقع عليه الحكم، والمراد بالصبر اختبار هذه الأوصاف والتمييز بين ما يصلح منها للتعليل وما لا يصلح منها للتعليل.
ومن أمثلة ذلك: أن يقول قائل: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا، إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ»، فيأتي المجتهد فيقول: البر فيه صفات متعددة، فالصفة الأولى: أنه مزروع، والصفة الثانية: أنه مطعوم، والصفة الثالثة: أنه مكيل، والصفة الرابعة: أنه قوت، والصفة الخامسة: أن حباته صغار، والصفة السادسة: أنه باللون الفلاني، وهكذا يعدد الصفات، ثم بعد ذلك يقول لا يصح التعليل بالوصف الأول لكذا ولا بالوصف الثاني لكذا حتى لا يبقى معه إلا وصف أو وصفان، وهذا يقال له: السبر والتقسيم، وتفارق بين السبر والتقسيم وبين تنقيح المناط بأن تنقيح المناط الأوصاف تكون مذكورة في الدليل بخلاف السبر والتقسيم، فإن الأوصاف غير مذكورة فيأتي المجتهد فيتحرى في استخراج هذه الأوصاف.
وهناك طريق آخر لمعرفة كون الوصف علة: ألا وهو كونه مناسباً لتشريع الحكم، بمعنى أننا ندرك من ربط الحكم بذلك الوصف حصول المصالح ودرء المفاسد، وفي هذا دلالة على أن ذلك الوصف هو علة الحكم، وبالتالي نعرف الطرائق الصحيحة لاستخراج كون الوصف علة.
وهناك طرائق أخرى لا يصح التعويل عليها: من أمثلة ذلك الطرد وحده، فإذا وجدنا ارتباطاً بين الوصف وبين الحكم في مسائل الوجود ولم نجد مثل ذلك الارتباط في مسائل العدم، فهذا يدلنا على أن الوصف ليس هو العلة، بعضهم قال: الطرد طريق صحيح للتعليل ولكن ليس الأمر كذلك، فهذه طرائق استخراج العلة.
إذاً عندنا الاجتهاد في العلة ثلاثة أنواع، النوع الأول: تحقيق المناط بأن يكون هناك عندنا وصف ثابت في النصوص ارتباط الحكم به، فيأتي المجتهد فينظر في مدى انطباق ذلك الوصف على الأفراد الموجودة عنده.
ومن أمثلة هذا في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، فإن هذه قاعدة واردة في النص وحكم لازم، إذاً العلة في قبول الشهادة وصف العدالة، فيأتي المجتهد فيجتهد في الأشخاص، هل وجدت فيهم أوصاف العدالة أو لم توجد؟ فهذا يقال له تحقيق المناط، وهذا التحقيق يكون أيضًا في النوازل الجديدة والمسائل الحادثة، فإننا مثلاً عندما يكون عندنا وصف منصوص عليه في النص، فنتأكد من وجوده في بعض مواقعه الجديدة والمعاصرة، يكون هذا تحقيقاً للمناط.
ومن أمثلة ذلك مثلاً: ما ورد في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في نواقض الوضوء: «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ»، فيأتي المجتهد فيتحرى في النظر هل يصدق على الغائط الذي يخرج من غير السبيلين هذا الخبر أو لا يصدق؟ وهكذا في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ أحَدِكُمْ إذَا أحْدَثَ حَتَى يَتَوَضَّ»، قال أبو هريرة: "الحدث الفساء والضراط" أو كما ورد عنه -رضي الله عنه-، فيأتي المجتهد فيتحرى، الآن عندنا علة ارتبط بها الحكم بالاتفاق لكن في بعض المواطن قد يقع التردد، فمثلاً لو وجد تحرك للريح داخل البطن لكنه لم يخرج، فحينئذٍ يدخل في الخبر وينتقض الوضوء به أو لا؟ فيأتي المجتهد ويقول هذا لا يدخل في الحكم لكونه لا يعد حدثًا ولا فساءً ولا ضراطًا.
ويأتي مسألة أخرى ألا وهي خروج الريح من الأمعاء من غير السبيلين، هل يعد ناقضاً من نواقض الوضوء يصدق عليه ما ورد في الحدث أو لا؟ فهذا يقال له تحقيق المناط، وهذا له صور كثيرة في الوقائع المعاصرة.
والنوع الثاني: تنقيح المناط، بأن يكون الحكم قد ورد في الشرع مقترناً بأوصاف كثيرة، فيأتي المجتهد فيميز ما يربط الحكم به من هذه الأوصاف مما لا يربط به الحكم، فهذا يقال له تنقيح المناط، ولكن فرق بين تنقيح المناط والسبر والتقسيم الذي ذكرته قبل قليل، فإن في تنقيح المناط تعداداً للأوصاف مع النص، بخلاف السبر والتقسيم فإنه لا يوجد فيه ذكر للأوصاف، ذكر المحل وحكمه، فتأتي أنت وتجتهد ما هي الأوصاف الذي يتصف بها ذلك المحل، فتبين المؤثر منها من غير المؤثر.
والنوع الثالث: تخريج المناط ويدخل فيه الدوران والسبر والتقسيم والمناسبة، بأن يرد معنا الحكم بدون أن يكون معه وصف يرتبط الحكم به، فيأتي المجتهد فيستخرج الأوصاف المؤثرة، ومن ذلك مثلاً في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الذهب بالذهب ربا إلا مثلاً بمثل، والفضة بفضة إلا مثلاً بمثل»، فيأتي المجتهد فيجد نصاً فيه حكم بجريان الربا في الذهب والفضة، فيجتهد في استخراج الحكم سواءً بالسبر والتقسيم أو بالمناسبة أو بالدوران التي سبق الكلام عنها قبل قليل، فيستخرج بعد ذلك الوصف الذي يعلل به ذلك الحكم، فيقيس عليه ما يحدث في الناس من حوادث، فمثلاً في الذهب والفضة يأتي ويقول العلة في جريان الربا فيهما مثلاً الثمنية ومن ثَمَّ كل ما يُجعل ثمناً للأشياء فإننا نجري فيه الربا، ومن أمثلة ذلك الأوراق النقدية، فإنها مما تثمن به الأشياء وبالتالي يجري الربا فيها.
فهذا فيما يتعلق بمعرفة كون الوصف علة، وهذا هو المعول عليه كثيرًا، وأكثر ما يقع من الأخطاء في أبواب الاجتهاد في النوازل يقع من هذا النوع، ألا وهو كيفية استخراج العلة والتحقق من كون الوصف علة يُبنى عليها الحكم، وإذا تقرر هذا فإن الأصل أن الأوصاف التي يصح التعليل بها لا بدَّ أن تكون متسمة بعدد من السمات، منها أن يكون ذلك الوصف له دليل على كونه علة، ومنها أن لا يعارضه وصف آخر، فإذا عارضه وصف آخر فحينئذٍ ماذا نفعل؟ هل يمكن أن نجعل الوصفين جميعًا علة واحدة أو نجعل كل وصف من الوصفين علة مستقلة، وبالتالي يثبت الحكم عند وجود أي منهما، وهذا ما يقال له بمسألة تعدد العلل، فنقول حينئذٍ: إذا كان الحكم وارداً في نص واحد فلا يصح أن نعلل ذلك الحكم بعدة علل، لماذا؟ لأنه لم يرد إلا في هذا الموطن وبالتالي لا بدَّ أن تكون علته وصفاً واحدًا.
وأما إذا تعددت الأحكام فحينئذٍ لا بأس أن يكون لكل حكم علة مستقلة، ومن أمثلة ذلك مثلاً في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ أحَدِكُمْ إذَا أحْدَثَ حَتَى يَتَوَضَّ» فهذا فيه دلالة على أن الحدث علة لانتقاض الوضوء، ثم جاءنا في الدليل الآخر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فليَتَوَضَّ»، ومن ثَمَّ نجعل مس الذكر علة ينتقض الوضوء بها، فنقيس على ذلك ما يستجد من المسائل المتعلقة بهذا.
إذا تقرر هذا المعنى فإننا لا بدَّ أن نلاحظ أن الأحكام التي قد ترد في الشارع قد يرد لها أكثر من دليل، ومن ثَمَّ لا مانع أن يعلل كل دليل بعلة وإن كان الحكم واحدًا، ومن ذلك نجد عدداً من الأحكام أو عدداً من الأوصاف يرتب عليها حكم واحد مثل ما مثلنا بحكم انتقاض الوضوء، فإن له عللاً متعددة، لماذا؟ لأن حكم انتقاض الوضوء ثبت بأدلة متعددة، ومن ثَمَّ نثبت عللاً متعددة، فلما قال: «من مس ذكره فليتوض»، هنا رتب الحكم يتوضأ على من مس بصيغة الجزاء، وسُبق الحكم باللام فليتوضأ، لام الأمر، فهذا دليل على أن مس الذكر علة من علل انتقاض الوضوء، وهكذا في بقية النصوص، فإنها قد تدل على ثبوت هذا الحكم بوصف آخر وعلة أخرى كما في حديث «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فليَتَوَضَّ»، وقوله -جل وعلا-: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ﴾ [النساء: 43]، فهنا فيه تعليل آخر أو علة أخرى لهذا الحكم.
وهكذا أيضًا في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «تَوَضَّؤُوا مِن لُحومِ الإبِلِ» وفي قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ»، وقوله: «من نام فليتوضَّ» ونحو ذلك من النصوص.
لكن في مرات يكون الحكم معللاً بأوصاف عند اجتماعها لا عند انفرادها، ومن أمثلة ذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى﴾ [البقرة: 178]، فهذا حكم واجب، إذا جاءنا شخص وقال أنا أريد أن أطبق على عدد من النوازل الحديثة مثل نسف المتفجرات أو إحراق الطائرات أو استخدام أنواع القنابل النافذة في قتل الآخرين، فنقول حينئذٍ هذه المسائل النازلة لا بدَّ أن نعرف أن العلة الشرعية التي ربط الشارع حكم القصاص بها موجودة في هذه المسائل، فإذا نظرنا فإننا نجد أن من الأوصاف المؤثرة كون الفعل قتلاً وكونه عدواناً وليس مباحاً وكونه عمداً ليس خطأً، ففي هذه الصور هذه الأوصاف الثلاثة مؤثرة في الحكم لكن لا على سبيل الانفراد وإنما عند اجتماعها، فنلاحظ أيضًا هذا المعنى.
وأما ما يتعلق بركن الفقيه فإننا قد تكلمنا عن متى يكون الشخص فقيهًا ومتى يعرفه العامي، ولا شك أن الرجوع إلى علماء الشريعة في معرفة علل الأحكام ومدى وجود هذه العلل في المسائل النازلة من الأمور الضرورية، فإن الله -جل وعلا- أمر بمراجعتهم كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾[النساء: 83]، وبالتالي لا بدَّ أن يكون ذلك الشخص الذي ينظر في تلك الواقعة من الفقهاء، ويدل عليه في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، من يسال؟ أهل الذكر، وهذا يشمل النوازل الجديدة.
ومثله أيضًا ما ورد في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ»، فهنا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بمراجعة العلماء وبسؤالهم، وهكذا أيضًا فيما ورد في حديث أبي هريرة وخالد بن زيد الجهني: "أن رجلين جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال أحدهما: يا رسول الله اقضي بيننا بالحق، وقال الآخر: نعم يا رسول الله اقضي بينهما بالحق وأذن لي، فأذن له النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إن ابني كان عسيفاً" يعني أجيراً عند هذا "فزنا بامرأته، وإني افتديت ابني منه بمائة شاة ووليدة، ولما سألت أهل العلم أخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على زوجته الرجم، فقال هنا: إني سألت أهل العلم فأخبروني" فأقره النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك ثم قضى، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «المائة شاة والوليدة رد عليك» وأمر بجلده مائة وتغريبه عام، ثم قال: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا » الحديث.
فالمقصود هنا أنه أقره على سؤال أهل العلم ولم ينكر عليه ذلك، ولا بدَّ أن نلاحظ أن الذي يسأل هو من ليس من أهل الاجتهاد، أما أهل الاجتهاد فإنهم يعملون باجتهادهم مباشرة.
وأما الركن الرابع من أركان النظر في النازلة الفقهية فهو ما يتعلق بالحكم، بأنك تريد أن تصل إلى هدف، هذا الهدف هو الحكم، والأحكام على نوعين: أحكام تفصيلية، تقول الصلاة واجبة هذا تفصيلي، وتقول قراءة الكتاب حكمها كذا لكن هناك أحكام عامة وإجمالية تصورية، بحيث لا بدَّ أن يكون هناك دربة للفقيه عليها ويكون متصوراً لها، والأحكام الشرعية لا بدَّ أن نعرفها أنها لا بدَّ أن يكون لها دليل في الشرع، فلا يصح لنا أن نثبت أحكاماً على جهة اعتباطية، والأدلة إما أن تكون الكتاب يعني القرآن الكريم أو السنة يعني ما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من أقوال أو أفعال أو اعتقادات، أو إجماع العلماء أو القياس أو الاستصحاب أو قول الصحابي أو سد الذرائع أو نحوها من الأدلة المقرة في الشريعة.
وبالتالي لا بدَّ أن نلاحظ أن المسألة التي نريد أن نحكم عليها، لا بدَّ أن يكون محلاً صالحاً لإصدار الأحكام عليه، ولذلك فلا يصح أن تصدر الحكم على الذوات والأعيان وهم يمكن الإشارة إليه، وإنما تضيفها إلى الأفعال.
مثال ذلك: إذا سألك سائل فقال: ما حكم الجوال؟ ما تقول؟ تقول: الجوال ذات وبالتالي لا يحكم عليه وإنما الحكم على الأفعال المتعلقة به، مثل البيع، الشراء، التصنيع، المكالمة به، الاستعمال، أخذ الطريق منه، تخزين المعلومات في الجوال، إلى غير ذلك، سرقة جوال الآخرين، الاطلاع على جوال الآخرين ومعرفة أسرارهم، فهذا هو الحكم الذي نحكم به وليس الحكم للذات والعين وإنما الحكم للأفعال.
وهكذا لا بدَّ أن نلاحظ أن الأحكام الشرعية قد يتغير حكمها بحسب القرائن التي تقترن بها، ولذلك من جاءك وقال: أنا عندي رشاش أريد أن أبيعه، فرشاش الماء فحينئذٍ نقول: ما هو غرض ذلكم المشتري من شرائه؟ فإذا أراد أن يشتري رشاش ذلكم السلاح، فلا بدَّ أن تطلع على حال ذلك الشخص، فإن كان من السراق أو ممن يدخل في حروب الفتن، فإننا حينئذٍ لا يجوز لنا أن نبيعها عليه بخلاف من يستعملها في أمور مباحة أو جائزة، فالمقصود أنه قد يختلف حكم الفعل باختلاف القرائن المقترنة به، وبالتالي لا بدَّ أن يراعى ذلك في استصدار الأحكام.
يعني مثلاً: أكل الميتة حرام لكن إذا كان من يريد الأكل مضطراً لا يجد طعاماً سواه، قلنا: الأكل في هذه الحال من الواجبات من أجل أن يحفظ بدنه من الهلاك والتلف.
ومن المعلوم أن الأحكام الشرعية على نوعين: أحكام تكليفية يكون فيها طلب للفعل أو الترك سواءً كان جازمًا أو كان غير جازم، وقد يكون إباحة، وبالتالي الأحكام التكليفية عند جماهير أهل العلم خمسة أنواع، هناك يعني على طريق الفقهاء واجب والمراد به ما طلبه الشارع طلباً جازمًا ويترتب عليه أن فاعله يؤجر وتاركه يأثم.
والنوع الثاني: المندوب والمراد به ما طلبه الشارع من الأفعال لا على سبيل الجزم، ومثل هذا النوع يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، فعندما تأتينا مسألة جديدة فنريد أن نحكم عليها، لا بدَّ أن نتصور هذه الأحكام هل هو واجب أو مندوب ونعرف ما الفرق بين الواجب والمندوب، وهكذا فيما طلب الشارع تركه فإنه قد يكون جازمًا فيقال له التحريم، وقد يكون غير جازمًا فيقال له الكراهة.
وأضرب لذلك بأمثلة: يعني من الأمور التي تجب ما يجب أصالة وما يجب على جهة التبعية، فكان مما يجب على جهة التبعية الذهاب للمسجد لأداء صلاة الجمعة والجماعة، عند القول بوجوبها، ومن ثَمَّ فإنه يجب على الإنسان أن يسير إلى الجمعة، لأن ما يتم الواجب إلا به فهو واجب، فهذه الوسيلة وسيلة الواجب قد تختلف من زمان إلى آخر بحسب ما يكون في ذلك الزمان من تهيئات، وبالتالي يدخل في هذا الحكم ما يتعلق بالسيارات وما يتعلق بالدراجات وما يتعلق بالقطار الذي يكون داخل المدن ونحو ذلك.
ومن أنواع الأحكام أيضًا: الإباحة وهو الإذن في الفعل والترك بغير اقتران بذم ولا مدح، فعندما تأتينا مصنوعات جديدة يمكننا أن نقيسها على المصنوعات الموجودة في الزمان الأول وبالتالي نحكم عليها بالإباحة، وهكذا قد نحكم على بعض الوقائع بأنها ممنوعة لكونها قد وجد فيها مقتضي المنع.
إذاً عندنا خمسة أحكام: الواجب وهو ما طلبه الشارع طلباً جازمًا.
والمندوب وهو ما طلبه الشارع طلباً غير جازم.
والحرام وهو ما طلب الشارع تركه على سبيل الجزم.
والرابع: الكراهة وما طلب الشارع تركه على غير سبيل التحتم والجزم.
والخامس: المباح وهو ما أذن الشارع في فعله وترك غير مقترن بمدح ولا ذم.
وهذا كله في النوع الأول وهو الأحكام التكليفية ويقابلها الأحكام الوضعية، والأحكام الوضعية منها كون الوصف علة للحكم وكونه سببًا له، وكون الوصف مانعاً من الحكم وكون الوصف شرطًا في الحكم، فهذه أمور معرفة بالحكم، وهناك أحكام تكون مقارنة للحكم التكليفي، منها وصفه بأنه أداء أو قضاء أو إعادة ووصفه بكونه عزيمة أو رخصة، وهكذا أيضًا باعتبار أثر الفعل وذلك يشمل حكمين الصحة والفساد.
فالصحيح هو ما اجتمعت فيه شروطه وعلته وأسبابه وانتفت عنه موانعه، وبالتالي ينتج الأثر المرتب عليه، والفساد هو ما لم تجتمع فيه شروطه أو انتفى أحد الشروط أو انتفت علته وانتفى سببه أو وجد فيه مانع أو انتفى شرطه، فحينئذٍ يحكم عليه بأنه فاسد وبالتالي لا ترتبت عليه أثار الفعل الصحيح.
ولعلي أضرب لك مثلاً في هذا الباب: نحن نجد أن العقود أصبحت يتم إجراء التعاقد عليها بوسائل الاتصال الحديثة، مثلاً سواءً في عقد البيع أو في عقد النكاح أو في غيره من أنواع العقود، فهل هذا الإجراء يكون صحيحاً؟ وبالتالي تترتب عليه أثاره من انتقال ملكية المبيع بين البائع والمشتري وانتقال المثمن بينهما، وهكذا في عقد النكاح هل يكون العقد صحيحاً وبالتالي تترتب عليه أثاره من وجوب المهر ووجوب النفقة وثبوت النسب وجواز الوطء وصحة الطلاق وصحة الخلع إلى غير ذلك من الأحكام المرتبة على عقد النكاح، متى تترتب؟ إذا كان النكاح صحيحاً، فحينئذٍ لا بدَّ أن نتصور الأحكام الوضعية هذه حتى يكون اجتهادنا في النوازل اجتهادًا صحيحاً، لأننا بهذا الاجتهاد في النوازل نريد أن نصل إلى هذه الأحكام الشرعية المتعلقة بالنازلة.
بارك الله فيك وجزاك الله خيرًا ونسأل الله -جل وعلا- أن يوفقنا وإياك وجميع المشاهدين لأن يكون لدينا ملكة فقهية نتمكن بها من الحكم على النوازل والمسائل الجديدة المعاصرة، هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
{شكر الله لكم يا معالي الشيخ ونفع بعلمكم الإسلام والمسلمين.
في ختام هذه الحلقة نشكركم أيها المشاهدون على طيب المتابعة، ونلقاكم -بإذن الله تعالى- في حلقة قادمة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته}.

المزيد إظهار أقل
تبليــــغ

اكتب المشكلة التي تواجهك