الدرس السادس

فضيلة الشيخ د. سليمان بن عبدالعزيز العيوني

إحصائية السلسلة

2692 22
الدرس السادس

قطر الندى

{السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أهلًا ومرحبًا بكم أعزائي المشاهدين والمشاهدات في حلقةٍ جديدةٍ من حلقات برنامجكم "البناء العلمي".

في هذه الحلقة نستكمل وإيَّاكم شرح "قطر النَّدى وبلِّ الصَّدى" لابن هشام -رَحِمَهُ اللهُ-، وسيكون ضيفنا فضيلة الشيخ/ أ. د سليمان بن عبد العزيز العيوني، أهلًا ومرحبًا بكم فضيلة الشيخ}.

يا أهلًا وسهلًا ومرحبًا.

{في هذه الحلقة نستكمل حالات إظهار "أَنْ" وإضمارها.

غفر الله لنا ولشيخنا وللمشاهدين، قال المؤلف -رَحِمَهُ اللهُ: ("ومُضْمَرَةً جَوَازاً بَعْدَ عاطفٍ مسبوقٍ باسمٍ خالِصٍ نحوُ:

ولُبْسُ عباءة وتقرَّ عيني ** ..........

وبعد اللامِ نحو "لِتُبَيِّنَ للناس")}.

بسم الله الرحمن الرحيم.

اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد؛ فحيَّاكم الله إخواني المشاهدين وأخواتي المشاهدات في الدرس السادس من دروس شرح "قطر النَّدى وبلِّ الصَّدى"، ونحن في سنة ثنتين وأربعين وأربعمائة وألف، في الأكاديمية الإسلامية المفتوحة.

في الدرس الماضي تكلمنا على إعراب الفعل المضارع رفعًا ونصبًا وجزمًا، فانتهينا من الكلام على رفعه، ثم شرع ابن هشام -رَحِمَهُ اللهُ- في الكلام على نصب الفعل المضارع، فذكر نصب الفعل المضارع بـ "لـم"، ثم بـ "كي"، ثم بـ "إذن"، ثم بدأ بالكلام على نصبه بــ "أنْ"، وعرفنا أنَّ "أنْ" هي أم الباب، ومن قوتها أنَّها تنصب ظاهرة ومضمرة -أي محذوفة.

ولهذا قلنا في الدرس الماضي -ونعيد: أنَّ لنصب الفعل المضارع بـ "أنْ" ثلاثة أحوال:

الحالة الأولى: وجوب إضمار "أَنْ" يعني: حذفها وعدم التَّصريح بها، وذلك في خمسة مواضع سيذكرها ابن هشام.

الحالة الثانية: جواز إضمار "أنْ" وإظهارها، وذلك في موضعين.

الحالة الثالثة: وجوب إضمار "أنْ" فيما سوى ذلك.

بدأ ابن هشام فيما قرأناه بالكلام على مواضع جواز إضمار "أنْ" وإظهارها، فقال: (ومضمرةً)، يعني: يُنصَب المضارع بـ "أنْ" مضمرةً جوازًا، يعني: يجوز أن تضمرها -تحذفها- ويجوز أن تظهرها -تصرح بها- في اللفظ

ما مواضع جواز إضمارها وإظهارها؟

موضعان:

الموضع الأول: بعدَ عاطف مسبوق باسمٍ خالص.

الموضع الثاني: بعد اللام.

الموضع الأول كما قال ابن هشام -رَحِمَهُ اللهُ: (بَعْدَ عاطفٍ مسبوقٍ باسمٍ خالِصٍ)، يعني إذا جاء المضارع معطوفًا على اسمٍ خالص.

ومعنى قوله: (اسم خالص): الأسماء إمَّا أن تكون خالصةَ الاسميَّة بحيث لا تُشبه الأفعال، وإما أن تكون مُشبهةً للأفعال.

فالأسماء التي تُشبه الأفعال: هي الأوصاف، ولهذا فإنها قد تعمل عملها، كاسم الفاعل، فـ "ضاربٌ" كــ "يضرب"، و "مضروبٌ" كـ "يُضرَب"، و "حسنٌ" كـ "يحسُن"، وهكذا..

فهذه أسماء ولكنها ليست بخالصة الاسميَّة؛ لأنَّ فيها معنى الفعل، فإذا عُطف الفعل عليها فإنه يُرفَع، تقول مثلًا: "محمدٌ ضاحكٌ ويلعبُ"، فـ "محمدٌ" مبتدأ، و "ضاحكٌ" خبر مرفوع وعلامة رفعه الضمة، والواو حرف عطف، و"يلعب" فعل مضارع، وعُطف على "ضاحك" وهو اسم ليس بخالص الاسميَّة؛ لأنَّه اسم فاعل مأخوذ من "يضحك"، فهو يُشبه الأفعال لأنه مأخوذ منها، فلهذا يُرفع الفعل المضارع.

فالمراد بالاسم هنا هو الاسم الخالص الاسمية الذي لا يُشبه الأفعال، ويُراد به هنا المصدر؛ لأن المصدر هو الأصل الذي تؤخذ منه الأفعال وغيرها، كــ "ضَرْب، ولُبس، وشُرب، وجلوس، وقيام"، فإذا عطفت الفعل على مصدر فيُنصَب.

مثال ذلك: أن تقول: "يُعجبُني اجتهادُك وتنجحَ"، فالفعل "يُعجب"، وياء المتكلم مفعول به مقدَّم، و "اجتهادكَ" اسم صريح مصدر وهو فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضَّمة، ثم عطفتَ الفعل "تنجحَ" بالواو على هذا الاسم الصَّريح فنصبته، وهو قوله: إنَّ الفعل المضارع إذا عُطف على اسم صريح فإنه يُنصب بـ "أنْ" مضمرة جوازًا -يعني يجوز لك أن تصرح بها.

ويجوز في الكلام أن تقول: "يعجبني اجتهادك وتنجحَ"، أو "يعجبني اجتهادك وأنْ تنجحَ"، أي: "يعجبني اجتهادك ونجاحكَ"، فــ "أنْ" حرف مصدري ينسبك منها ومن الفعل مصدر، فهذا مصدر مُؤوَّل، وهو كالمصدر الصَّريح في المعنى والاستعمال، والفروق بينهما قليلة.

ما سبب إضمار "أنْ"؟ ولماذا زعمنا أنَّ المضارع هنا منصوب بـ "أنْ"؟ ولماذا لا نقول: إنَّ المضارع منصوب بحرف العطف؟

الجواب أمران:

الأمر الأول: لأنَّ حروف العطف لا تنصب المضارع، فحروف العطف إنما تعطف ما بعدها على ما قبلها، تُشرِّك ما بعدها مع ما قبلها في المعنى والإعراب، لكنها لا تنصب المضارع.

الأمر الثاني: المضارع هنا بما أنه منصوب، كيف تعطف مضارع على اسم! فإن الفعل يُعطَف على الفعل، والاسم يُعطَف على الاسم، ولا يُعطَف الفعل على الاسم إلَّا إذا كان هذا الاسم يُشبه الأفعال كما قلنا: "محمدٌ ضاحكٌ ويلعبُ"، والحقيقة أنَّ الفعل هنا لم يُعطف على الاسم؛ لأن الفعل هنا منصوب بـ "أنْ"، و "أنْ" والفعل مصدر مؤوَّل، وهذا المصدر المؤوَّل كله معطوف على المصدر السابق، فهو مصدر معطوف على مصدرٍ، إلا أنَّ المصدر الأول صريح والمصدر الثاني المعطوف مُؤوَّل، لكنه مُؤوَّل مع "أنْ" محذوفة جوازًا.

من الأمثلة على ذلك: قول الشاعرة ميسون الكلبيَّة، تزوجها معاوية -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وكانت أعرابيَّة فكرهت البقاء في القصور، وصارت تحن إلى البادية، فقالت في ذلك قصيدة، منها قولها:

ولُبسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عيني ** أَحَبُّ إليَّ مِن لبسِ الشُفوفِ

يعني: أنْ ألبسَ عباءَة وتقرَّ عيني، أحبُّ إليَّ من لبس الثياب الخفيفة الشفافة كالحرير.

فقولها: "وتَقَرَّ عيني" الفعل المضارع "تقر" عُطِفَ بالواو على "لُبسُ" وهو مصدر؛ فلما عطف المضارع على اسم خالص الاسميَّة على مصدر نصبَه بـ "أنْ".

فيجوز أن تُصرِّح بها فتقول: "لُبسُ عباءةٍ وأنْ تقرَّ عيني ** أحبُّ إليَّ"، ويجوز أن تحذفها كما قالت الشاعرة؛ لأن "لُبس" مصدر صريح، فهي في معنى: "أنْ ألبَسَ"، والمعنى: "أنْ ألبس عباءة وأنْ تقرَّ عيني أحب إليَّ من لبس الشفوفِ"؛ فهو مصدر معطوف على مصدر.

فلكَ أن تأتي بمصدرين صريحين، فتقول: "لُبسُ عباءةٍ وقرارةُ عيني".

ولك أن تأتي بهما مؤوَّلين فتقول: "أن ألبسَ وأنْ تقرَّ عينيني".

ولكَ أن تأتي بهما مختلفين، فتقول: "لبس عباءة وتقرَّ"، أو "أن ألبسَ عباءة وقرارةُ عيني".

فكل ذلك جائز، فالمصدر يجوز أن يُعطَف على مثله.

ومن ذلك قوله -سبحانه وتعالى- وهي قراءة الجمهور غير قراءة نافع ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: 51]، فالشاهد "يُرسلَ" هذا فعل مضارع معطوف على وحيًا بـ "أو".

والمعنى: ما كان لبشرٍ أن يكلمه الله مباشرة إلا....، ثم ذكر الطُّرق التي يُكلم الله -عَزَّ وَجَلَّ- بها الناس، وهي: ﴿إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ كما حدث مع موسى -عليه السلام.

قوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾، "يُرسلَ" فعل مضارع معطوف بحرف "أو" على "وحيًا" وهو مصدر صريح، هذا المصدر الصريح لك أن تأتي به صريحًا، ولك أن تأتي به مؤوَّلًا، فتقول: "ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي إليه أو من وراء حجاب أو يُرسل"، فـ "يُرسل" منصوب بـ "أنْ" مضمرة جوازًا.

فلكَ أن تقول: "أن يوحيَ أو أن يُرسل" مؤوَّلين.

ولك أن تأتي بهما صريحين فتقول: "إلا وحيًا أو إرسالًا".

ولك أن تأتي بهما مختلفين كما في الآية.

أمَّا نافع فقرأ "يُرسلُ" بالرفع، فلا شاهد في قراءته.

أما الموضع الثاني لنصب المضارع بـ "أنْ" مضمرة محذوفة مجازًا: أن يكون بعد لام التعليل، كأن تقول: "جئتُ لأتعلَّمَ" فـ "أتعلَّمَ" فعل مضارع وقد نُصب بعدَ لام التعليل، والذي نصب الفعل المضارع ليست اللام؛ لأنها حرف جر، وإنما الفعل المضارع منصوب بـ "أنْ" مضمرة جوازًا، فلكَ أن تقول: "جئتُ لأنْ أتعلَّم" أو "لأتعلَّمَ"، فإذا صرَّحتَ أو لم تُصرِّح فــ "أنْ" هذه مضمرة مع المضارع مَصدر مُؤوَّل، يعني: "للتعلَّم"، واللام جرَّت المصدر.

قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: 44]، يعني: "لأن تبيِّنَ للناسِ".

وقال تعالى: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 71]، فـ "نسلم" منصوب بعد لام التعليل بـ "أنْ" مضمرة جوازًا، والدليل على ذلك ظهورها في الآية الأخرى، فقال: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: 12]، فلك أن تقول في اللغة: "أُمرتُ لأكونَ أوَّل المسلمين" فتضمِر "أنْ"، ولك أن تقول: "أمرتُ لأنْ أسلمَ" فتُظهِر "أنْ"؛ فــ "أنْ" هنا مضمرة جوازًا.

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (إلا في نحوِ "لئَلا يعلم"، وقوله "لِئَلا يكونَ للناس" فَتَظْهَرُ لا غيرُ)}.

هنا تكلَّم ابن هشام على مسألةٍ مُعيَّنةٍ، وهي وقوع "أنْ" بينَ لام التعليل وبين كلمة "لا"؛ كأن تقول: "تعالَ مبكرًا لأنْ لا تتأخرَ" فــ "أنْ" مختومة بنون ساكنة وبعدها لام؛ فبينهما إدغام "ألَّا" وقبلها اللام، فصارت "لِـئلَّا"؛ فتنطق "لـأَنْ لا" وتُكتب إملائيًّا متَّصلة "لـئلا" فهي عبارة عن:

- لام التعليل الجارَّة.

- "أنْ" الناصبة.

- وكلمة "لا"

فإذا وقعت "أنْ" بين لام الجر التعليليَّة وبين "لا" يجب أن تظهر وتُثبَت، ولا يجوز أن تُحذَف، فهذا الموضع من مواضع وجوب الإظهار على الأصل.

ووجب أن تظهر لأننا لو حذفنا "أنْ" ستلتقي لام الجر بـ "لا" وستكون الكلمة "لــلا"، وهذا ليس بحسن، لتكرر المتشابهات.

من الأمثلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، فالفعل "يكونَ" وهو منصوب بـ "أنْ" وقبله لام التعليل وبعده "لا"، يعني: "لأنْ لا يكونَ عليكم حجَّة" أي: لكي لا يكون، ثم أُدغمَت وكُتبت "لئلَّا يكونَ"، فــ "لا" هنا نافية، فينفي أن يكون للناس عليهم حجَّة.

ومن ذلك أيضًا: قوله -سبحانه وتعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ﴾، فهنا "أنْ" وقبلها اللام، وبعدها "لا"، ثم "يعلم"، ولكن "لا" في الآية ليست نافية، وإنما هي زائدة، لأنَّ المعنى على زيادتها، فذكرها وحذفها من حيث اللفظ سواء، أما من حيث المعنى فهي تدل على التوكيد، فالمعنى "ليعلمَ أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء"، وليس "لئلا يعلم".

وأما قوله: ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾ فــ "ألا" عبارة عن "أنْ" و"لا"، و"أنْ" وقعت بعدَ علمٍ فهي مخفَّفة من "أنَّ"، والمعنى: "ليعلم أهل الكتاب أنَّهم لا يقدرون على شيء".

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (ونحوُ "وما كان الله لِيعذبَّهم" فتُضْمَرُ لا غيرُ)}.

بعد أن انتهى ابن هشام -رَحِمَهُ اللهُ- من الكلام على إضمار "أنْ" جوازًا؛ انتقل إلى الكلام على إضمارها وجوبًا، ويكون في خمسة مواضع -أو أربعة مواضع:

- بعد لام الجحود.

- بعد "حتى".

- بعد "أوْ" التي بمعنى "إلى أن" أو "إلَّا أنْ".

- وبعد فاء السببيَّة.

- وبعد واو المعيَّة.

وبعضهم يجعلها خمسة -كما عددنا-، وبعضهم يجعل واو المعيَّة وفاء السببيَّة في موضع واحد؛ لأنَّ حكمهما وشرطهما واحد، فتكون أربعة مواضع، ولا مشاحة في ذلك.

قال ابن هشام: (ونحوُ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ فتُضْمَرُ لا غيرُ)، يعني: يجب أن تُضمَر في نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾، يُريد بهذه الآية لام الجحود، فالمضارع إذا وقع بعد لام الجحود فإنَّه يُنصب بـ "أنْ" مُضمرة وجوبًا.

ولام الجحود: هي اللام الواقعة بعد "ما كان" أو "لم يكن"، يقولون: بعدَ كونٍ منفي.

يقول الناظم:

وكل لام قبلها "ما كان" ** أو "لم يكن" فللجحود بانَ

كقولك: "ما كانَ زيدٌ ليهمل، لم يكن زيدٌ ليهمل" أصل الجملة "زيدٌ يُهمل" هذا في الإثبات، فإذا أردتَّ أن تنفي فتقول: "ما كان زيدٌ يهمل"، فإذا قالوا: "ما كان زيدٌ ليهمل"، فهذه اللام أكَّدت النفي.

إذًا؛ لام الجحود هي اللام التي تؤكِّد وتقوي النفي.

فالجحود في اللغة هو: النفي. وجحدتَّ حقي، أي: نفيته.

وتأتي بصيغة الماضي، كقولك: "ما كان زيد ليهمل، لم يكن زيد ليهمل"، والمضارع الواقع بعدها دائًما منصوب بـ "أنْ" مُضمرة وجوبًا.

لماذا زعمنا أنَّ المضارع هنا منصوب بـ "أنْ" ولم نقل: إنه منصوب بلام الجحود؟

لأنَّ لام الجحود هي لام الجر، ولام الجر تجر الأسماء، ولكن ما تفعل شيئًا في الأفعال.

ونقول هنا -كما قلنا قبل قليل: إنَّ الفعل منصوب بـ "أنْ" مضمرة وجوبًا، و "أنْ" والفعل المضارع مصدر مؤوَّل مجرور بلام الجحود، فلام الجحود حينئذٍ دخلت على مصدر مؤوَّل، أي: دخلت على اسم -على أصلها وحقيقتها.

من الأمثلة: قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: 33]، "يعذبهم" فعل مضارع بعد لام الجحود، لأن اللام وقعت بعد قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ﴾.

وقوله: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ [التوبة: 70]، وقوله: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [الأعراف: 101]، وقال: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [آل عمران: 179]، وقال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: 137].

 

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (كإضمارها بعد حتى إذا كان مستقبَلاً نحو ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾)}.

الموضع الثاني لإضمار "أنْ" وجوبًا: إذا وقع المضارع بعد "حتى".

تقول: "جئتُ حتى أتعلم"، معنى "حتى" هنا: للتعليل -تعليليَّة- أي: "كي أتعلم، أو لأتعلم".

وتقول: "سأنتظركَ حتى تطلع الشمس"، "حتى" هنا للغاية -غائيَّة.

قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9]، "حتى" هنا يجوز فيها الوجهان -غائيَّة وتعليلية- من حيث المعنى؛ لأنه قال: ﴿فَقَاتِلُوا﴾ وما قال: "اقتلوهم"، فالقتلُ مرَّة واحدة، أما "قاتلوهم" يعني مرَّة من بعد مرَّة حتى يرجعوا، أو: قاتلوهم كي يرجعوا.

سبب إضمار "أنْ"؟ ولماذا لا نقول: إنَّ المضارع منصوب بـ "حتى" نفسها؟

الجواب: أنَّ "حتى" حرف جر، وحرف الجر خاص بالأسماء، فلهذا نقدِّر "أنْ" ناصبة للمضارع، ثم نقول: إنَّ "أنْ" والفعل مصدر مؤوَّل، فهو اسم وقد جرَّته على أصلها.

والنصب بـ "حتى" له شرط، وهو: إذا كان مستقبلًا.

وهذا الشرط أشرنا إليه من قبل، أنَّ الفعل المضارع لا يُنصَب غلَّا في الاستقبال، أمَّا إذا كان في الحال -زمن التكلُّم- فإنَّه لا يُنصَب، وإنَّما يُرفع.

والمراد بالاستقبال: الاستقبال المحض.

ولهذا يقولون: أحوال زمن المضارع بعد "حتى":

الحالة الأولى: الاستقبال المحض، يعني أنه لا يُتصوَّر فيه إلا أن يكون بعد زمان التكلُّم والفعل الذي قبله، فلا يكون إلا في المستقبل، فهذا ليس فيه إلا النصب، كأن تقول "سأسافر إلى مكة حتى أعتمرَ"، فالاعتمار هنا ما حدث بعد. ومثل قولك: "سأزورك غدًا حتى أشرحَ لك"، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: 91]، فهذا ليس فيه إلا النصب.

الحالة الثانية: أن يكون زمان الفعل المضارع الواقع بعد "حتى" الحال ولكن باعتبار زمن التكلُّم، فحينئذٍ لك أن ترفع ولك أن تنصب؛ لأنَّك إذا قلتَ مثلًا حال طوافك: "سافرت حتى أعتمرَ"، فالاعتمار الآن في زمن التكلُّم، فهنا ليس استقبالًا محضًا؛ لأن الاعتمار بالنسبة للتكلُّم حال، فترفع الفعل وتقول: "حتى أعتمرُ"، ويجوز أن تنصب بالنَّظر إلى الفعل السابق، فالاعتمار باعتبار السفر هو استقبال، فتقول: "سافرتُ حتى أعتمرَ" فيكون مجرد إخبار أنَّك فعلت السفر كي تعتمر بعده، أما لو أردتُّ أن أُخبركَ أنِّي الآن أعتمر فترفع الفعل، والمعنى يختلف، لكن في النحو يجوز فيه الوجهان.

الحالة الثالثة: المضي باعتبار زمن التكلُّم.

لو قلت: "سافرتُ حتى أعتمرَ" لكني قلتُ ذلك لك بعد أن انتهينا من العمرة، فالعمرة الآن بالنسبة لزمن التكلُّم ماضي، فلهذا ترفع وتقول: "حتى أعتمرُ"؛ ولكن العمرة بالنسبة للفعل استقبال، فلك أن تنصب.

إذًا؛ المضارع بعد "حتى" إن كان في الاستقبال المحض -يعني باعتبار زمن التكلم وباعتبار الفعل الذي قبله- فليس فيه إلَّا النَّصب.

أمَّا إذا لم يكن استقباله محضًا بحيث كان حالًا في زمن التكلُّم أو ماضيًا بزمن التكلُّم؛ فهذا يجوز فيه الوجهان، ومن الأمثلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 214]، فهنا قراءتان ﴿حَتَّى يقولَ، و﴿حَتَّى يقولُ.

- فمن قال: ﴿حَتَّى يقولَ جعله مستقبلًا، فالآية نزلت بعد حادثة الأحزاب، ولكن قالوا ذلك بعد الزلزلة، فكان الاستقبال بهذا الاعتبار.

- ومن رفع ﴿حَتَّى يقولُ باعتبار زمن التكلُّم.

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وبعد "أَوْ" التي بمعنى إلَى نحو:

لأَسْتَسْهِلَنَّ الصعب أو أُدْرِكَ المنى **............

 أو التي بمعنى إِلا نحو:

وكنتُ إذا غَمَزْتُ قناةَ قوم ** كَسَرْتُ كُعُوبَها أو تستقيمَا)}.

الموضع الثالث لإضمار "أنْ" وجوبًا: إذا وقع المضارع بعد "أو".

"أو" المعروفة المشهورة هي "أو" العاطفة، أما "أو" هنا بمعنى "إلى أن" وهو أسلوب عربي لطيف جميل فتكون غائيَّة، أو تأتي بمعنى "إلَّا أنْ"؛ فــ "أنْ" مقدَّرة في الموضعين، فلهذا ينتصب المضارع بعدها، كأن تقول مثلًا "سأجلس في المسجد أو احفظ القرآن"، فإذا انتبهتَ للمثال فلن تجد فيه عطف، فأنت لا تُخيِّر بينَ الأمرين، وإنما تقول "سأجلسُ في المسجد إلى أنْ أحفظَ القرآن"، وقولك "سألازم العلماء أو أفهم العلم"، وتقول "لألزمنَّكَ أو تقضيني حقي"، يعني: "إلى أن تقضيني حقي"؛ فهو لا يخيِّر بين الأمرين، وإنما يُخبرك أنه سيفعل هذا الأمر إلى أنْ تقضيه حقه.

أو تقول مثلًا: "لأقتُلنَّك أو تُسلِم" يعني: سأقتلنَّك إلَّا أن تُسلم، فإنِّي لن أفعل ذلك.

مثلًا: لو أنَّ إنسانًا أخطأ فقلت "لأعاقبنَّك أو تعتذر" فهذا ليس للتخيير، و "أو" تحتمل الأمرين، يعني" سأعاقبك، فإذا رفضت سأعاقبك إلى أن تعتذر"، أو "سأعاقبك إلَّا أن تعتذر".

ومن الشواهد على ذلك قول الشاعر:

لَأسْتَسْهِلنَّ الصَّعبَ أوْ أُدْرِكَ المُنى ** فما انْقادَتِ الآمالُ إلا لِصابِرِ

يعني: لأستسهلنَّ الصعب إلى أن أُدرك المنى.

وقول الآخر:

وكنتُ إذا غَمَزْتُ قناةَ قوم ** كَسَرْتُ كُعُوبَها أو تستقيمَا

قوله "القناة" يعني" الرُّمح.

يقول: من قوَّتي أنِّي إذا هززتُ الرُّمح إمَّا أن يعود مستقيمًا أو ينكسر.

فقوله: "كَسَرْتُ كُعُوبَها أو تستقيمَا" يعني: "كَسَرْتُ كُعُوبَها إلا أن تستقيم".

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: 15]، هنا لا يُخيِّر، وإنَّما يقول: أمسكوا هؤلاء النسوة في البيوت حتى يتوفَّاهن الموت إلَّا (أو: إلى) أنْ يجعل الله لهنَّ سبيلًا، وقد جاء في الحديث «قد جعل الله لهن سبيلًا».

وكذلك قوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: 16]، هذه قراءة الجمهور على أن "أوْ" عاطفة.

وفي قراءة ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُوا، يعني: تقاتلونهم إلى أنْ يُسلموا.

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وبعدَ فاءِ السببيةِ أو واوِ المعيةِ مسبوقَتَيْنِ بنفي مَحْضٍ أو طلبٍ بالفعل نحوُ ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾، ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾، ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ﴾ و "لا تأكلِ السمك وتشربَ الحليب")}.

هذا الموضع الرابع والخامس جُمعا لأنَّ أحكامهما وشرطهما واحد.

المراد بفاء السببيَّة: هي الفاء العاطفة، لكنها مع العطف تدلُّ على السببيَّة.

مثال ذلك: "أجتهد فتنجحَ".

أما واو المعيَّة: فهي واو العاطفة، لكن تدل مع العطف على المعيَّة، كأن تقول "اجتهد وتنجحَ".

وفاء السببية واو المعيَّة حرفا جواب، أي: أنَّ ما بعدهما جواب ونتيجة لما قبلهما، كقولك "اجتهد" فنتيجة الاجتهاد هو النجاح.

هاتِ "النجاح" على صورة فعل مضارع: "تنجح".

هاتِ قبله فاء أو واو: "اجتهد فـتنجحَ" و"اجتهد وتنجحَ"

ومثل قولك "تعالَ فأُكرمَك، تعالَ وأُكرمَك"، وقولك "ابقَ في المسجد فتحفظَ القرآن، أو: وتحفظ القرآنَ".

شرط نصب المضارع بعدهما:

قال ابن هشام (مسبوقَتَيْنِ بنفي مَحْضٍ أو طلبٍ بالفعل)، فلابد أن يُسبَق بنفيٍ أو طلب.

نبدأ بالنفي: وهو واضحٌ، كأن تقول: "محمد لا يهملُ" نتيجة عدم الإهمال هو النجاح، هاتِ "النجاح" على صورة فعل مضارع مسبوق بواو أو فاء، تقول: "محمدٌ لا يهملُ فينجحَ، أو: وينجحَ"؛ فالمضارع حينئذٍ منصوب بـ "أنْ" مضمرة وجوبًا في مثل هذا الأسلوب.

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: 36]، فالفاء هنا سببيَّة، والمعنى: لا يُقضَى عليهم، والقضاء عليهم هذا يسبب الموت، فالفعلان حينئذٍ مرتبطان مع بعض، والثاني نتيجة للأول، فالأول سبب للثاني.

في القراءة الأخرى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُونَ، هنا الفعل المضارع مرفوع على أنَّ الفاء حرف عطف، والمعنى: لا يُقضَى عليهم ولا يموتون.

ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 36]، على الرفع، ويكون المعنى: لا يؤذن لهم ولا يعتذرون.

وعلى النصب تقول: "ولا يؤذن لهم فيعتذروا"، يعني: لا يؤذن لهم، فيترتب على ذلك أنهم لا يتمكَّنون من الاعتذار.

وأمَّا الطلب فالمراد به ثمانية أشياء في اللغة، وهو كل كلمة يُطلب بها إما فعل الفعل، أو ترك الفعل، وهو:

- الأمر: كــ "اذهب"، أطلبُ منكَ أن تفعل الفعل بأمر.

- النهي: "لا تفعل" أطلب منكَ عدم الفعل.

- الدعاء: ويكون من الأسفل للأعلى، كأن تقول لرب -عَزَّ وَجَلَّ: "اغفر لي".

- الاستفهام: كقولك: "هل تذهب" أطلبُ منكَ أن تجيب.

- العرض بـ "ألا": كـ "ألا تأتي"، أطلب منك الإتيان لكن بلطف ورفق.

- التَّحضيض بــ "هلَّا، لولا، لو ما"، يعني طلب الشيء بشيء من الحث، كقولك "هلَّا تأتي".

- التَّمني بـ "ليت" كــ "ليتنا نسافر"، يعني أطلب هذا الأمر على سبيل التَّمني.

- التَّرجي بـ "لعل": كأن تقول: "لعلَّكَ تأتي"، أطلب منكَ الفعل ولكن برجاء.

وقد جُمعت هذه الأشياء في قول الشاعر:

مُرْ وَادْعُ وَانْهَ وَسَلْ وَاعْرِضْ لِحَضِّهِمُ * تَمَنَّ وَارْجُ كذاك النفْيُ قد كَملا

فذكر الطلب، ثم أتبع النفي بأنواع الطلب.

والأمثلة كثيرة على فاء السببيَّة وواو المعية:

- كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ﴾ [طه: 81]، فالفعل "يحلَّ" جاء بعدَ فاء السببيَّة، وفاء السببيَّة مسبوقة بنهي "لا تطغوا" فيترتَّب على ذلك أن يحل عليكم غضبي.

- وقوله: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ [الأعراف: 53]، يعني: هل لنا من شفعاء فيترتب على ذلك أنهم يشفعون لنا؟

- وفي الحديث «هل من داعٍ...»، والنتيجة: «فأستجيبَ له»، وقوله: «هل من مستغفر فأغفر له، وهل من تاب فأتوب عليه».

- وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ هذا تحضيض، ثم قال: ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: 10].

- وقوله: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ﴾ [النساء: 73].

- وقوله: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ﴾ [غافر: 37].

الخُلاصة في النَّصب بــ "أنْ":

- أنَّ النصبَ بـ "أنْ" إمَّا أن يكونَ بـ"أنْ" جائزة الإضمار، فيجوز أن تُضمَر ويجوز أن تظهر، وذلك في موضعين.

- أو أن يكون النَّصب بـ "أنْ" مضمرة وجوبًا، وذلك في خمسة مواضع، أو أربعة مواضع.

- أو يكون النَّصب بـ "أنْ" مظهرة فيما سوى ذلك.

والخلاف في مسألة النصب بـ "أنْ" المضمرة بين النَّحويين، وما قرَّرناه من قبل هو قول البصريين، وتابعهم على ذلك الجمهور.

وقال الكوفيون: الفعل المضارع في كل ذلك منصوب بالحرف السابق، فإذا ظهرت "أنْ" فهي الناصبة، وإذا لم تظهر فإن الفعل منصوب بلام التعليل، وبـ "حتى"، وبفاء السببيَّة وواو المعيَّة.

فقالوا: إنَّ لام التعليل هي حرف جر، فإذا دخلت على الاسم تجره، لكن إذا دخلت على فعل مضارع فإنها تنصبه، وهم لا يرون حرجًا في ذلك، مع أنه خلاف قياس اللغة ويؤدي إلى عدم النظير، والراجح في المسألة هو قول الجمهور.

فهذا ما يتعلق بنصب الفعل المضارع، لننتقل إلى جزم الفعل المضارع، وخاصَّة الجزم بالطلب، لأنه يرتبط بالنصب.

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (فإن سَقَطَتِ الفاءُ بعد الطلب وقُصِدَ الجزاءُ جُزِمَ نحوُ قولِه تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ﴾)}.

ذكر ابن هشام -رَحِمَهُ اللهُ- أنَّ الفعل ينجزم عمومًا في ستَّة مواضع:

- في جواب الطلب.

- بعد "لـمْ".

- وبعد "لـمَّا".

-وبعدَ لام الأمر.

- وبعدَ "لا" الناهية.

- وبعد أدوات الشَّرط الجازمة.

بدأ بجزم الفعل المضارع بجواب الطلب، فقال: (فإن سَقَطَتِ الفاءُ بعد الطلب)، كما قلنا قبل قليل: "اجتهد فتنجحَ، لا تلعب فتنجحَ"؛ فإذا سقطت الفاء في هذا الأسلوب وقُصِدَ الجزاءُ جُزِمَ الفعل المضارع.

ومعنى قوله: "قُصِدَ الجزاء"، أي: قُصِدَ أنَّ الفعل المضارع جزاء ونتيجة وجواب للطلب السابق، فيجب أن يكون المعنى هكذا.

فإذا قلتَ: "اجتهدَ فتنجحَ" ينتصب الفعل المضارع لوجود الفاء، فإذا حذفتَ الفاء فإنَّ المضارع ينجزم، تقول: "اجتهد تنجحْ"، تريد أنَّ النجاح مترتبٌ نتيجة لاجتهادك، كأنك قلت: "إنْ تجتهد تنجحْ".

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ والنتيجة ﴿أَتْلُ﴾؛ كأنه قال: "قل تعالوا، فإن تقبلوا أتلوا"؛ فلهذا جزم الفعل المضارع "أتلُ" وعلامة الجزم حذف حرف العلَّة.

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ وجواب ذلك ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25].

السؤال: المضارع هنا لا إشكال أنه ينجزم، ولكن ما جازمه؟

القول الأول: إنَّ المضارع هنا مجزوم بالطلب، يعني نفس الطلب هو الذي جزمه، فلو قلنا "اجتهد تنجح" فـ "تنجح" مجزوم بفعل الأمر "اجتهد" لأنه هو الطلب هنا.

القول الثاني -وهو قول الجمهور: إنَّ الفعل المضارع مجزوم بأداة شرطٍ محذوفة، وأداة الشرط التي تُقدَّر هي: "إنْ" أم الباب، فيكون تقدير قولك: "اجتهد تنجح" هو: "إنْ تجتهد تنجحْ" ثم حذفنا "إنْ" فصارت "اجتهد تنجح".

إذًا؛ الفعل المضارع هنا مجزوم بـ "إنْ"؛ ولهذا لا يذكرون الجزم بجواب الطلب في الجوازم؛ لأنه داخل في الجزم بأدوات الشرط القادمة.

سؤال مهم: ما حكم المضارع في مثل هذا الأسلوب إذا لم يُقصَد الجزاء؟

هذا الذي قد يقع فيه اللبس عند كثير من الطلاب المتكلِّمين، فقد يأتي هذا الأسلوب ولكن لا نقصد أن الفعل المضارع جزاءٌ للطلب، كأن تنهى أطفالًا يلعبون، فأقول لك "اترك الأطفال يلعبون"؛ فلعبهم ليس نتيجة ويترتب على تركه لهم، بل هم يلعبون الآن، وليس المعنى "إن تترك الأطفال يلعبون في المستقبل"؛ فالفعل هنا: "يلعبون" ليس مترتبًا على الطلب؛ بل هو حالٌ من الأطفال، يعني: اترك الأطفال حالة كونهم يلعبون، كأنك قلتَ: "اترك الأطفال لاعبين". فـ "يلعبون" هنا فعل مضارع مرفوع؛ لأنه جملة حاليَّة، لكن لو أنهم جالسين ما يلعبون وأنت منعتهم من اللعب، فأقول لك: "اترك الأطفال"، ثم يترتب على تركك لهم أنهم "يلعبون"؛ فاللعب هنا صارَ مرتِّبًا على الترك؛ فهنا تجزم الفعل، فأقول لك "اتركْ الأطفال يلعبوا"، يعني: اترك الأطفال، إن تتركهم يلعبوا.

ومثل ذلك قولك: "أعطني كتابًا يفيدُني"، فإذا قصدتَّ "أعطني كتابًا مفيدًا" فترفع الفعل، لأن "يُفيدُني" نعت لـ "كتابًا". وإذا قصدتَّ "أعطني كتابًا، إنْ تعطني كتابًا يفدْني"؛ فتجزم، فعل حسب المعنى الذي تريد.

ومن ذلك قوله -سبحانه وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: 103]، فإذا كانت "تطهرهم" هنا نعت لــ "صدقة" يعني: صدقة مطهرة لهم؛ فترفع الفعل.

أما لو كان "تطهرهم" جواب لـ "خذْ" ويكون المعنى: خذْ من أموالهم صدقة، إن تأخذها تطهرهم؛ فهنا تنصب، والمعنى يختلف.

وقوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ بالرفع عند السبعة، والمعنى حينئذٍ: صدقةً مطهرةً، على أنَّ "تطهرهم" جملة فعليَّة نعت لـ "صدقة".

وقال تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي﴾ [مريم: 5] قراءة "يرثُني"، وقراءة أخرى "يرثْني".

فـ "يرثُ" بالرفع: على أن "يرثني" جملة نعت لـ "وليًّا"، كأنه قال: "فهب لي من لدنك وليًّا وارثًا"

و "يرثْ" بالجزم: على أنه جواب للطلب، كأنه قال: "هب لي من لدنكَ وليًّا، إن تهبْهُ يرثْني".

ومن ذلك قوله تعالى عن ناقة صالح: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: 73]، وفيها قراءتان:

القراءة الأولى بالجزم ﴿فذروها تأكلْ﴾ على أنَّ المعنى: ذروها، إنْ تذروها تأكلْ.

القراءة الثانية بالرفع ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلُ على أنه حال، يعني: ذروها حالة كونها تأكل، بمعنى: آكلةً.

انتهى الوقت، وسنكمل ما بقي -إن شاء الله- في درسٍ قادم.

{شكر الله لك فضيلة الشيخ ما قدَّمتَ، سائلين الله أن يجعله في موازين حسناتك، والشكر موصول لكم أعزائي المشاهدين على طيب المتابعة، سائلين الله أن نلقاكم في حلقة جديدة من حلقات برنامجكم "البناء العلمي".

إلى ذلكم الحين نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته}.

 

المزيد إظهار أقل
تبليــــغ

اكتب المشكلة التي تواجهك