الدرس السابع عشر

فضيلة الشيخ د. سليمان بن عبدالعزيز العيوني

إحصائية السلسلة

2780 22
الدرس السابع عشر

قطر الندى

{السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أهلًا ومرحبًا بكم أعزائي المشاهدين والمشاهدات في حلقةٍ جديدةٍ من حلقات برنامجكم "البناء العلمي".

في هذه الحلقة نستكمل وإيَّاكم شرح "قطر النَّدى وبلِّ الصَّدى" لابن هشام -رَحِمَهُ اللهُ-، وسيكون ضيفنا فضيلة الشيخ/ أ. د سليمان بن عبد العزيز العيوني، عضو هيئة التدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. أهلًا ومرحبًا بكم فضيلة الشيخ}.

أهلًا وسهلًا ومرحبًا بكم.

{قال المؤلف -رَحِمَهُ اللهُ: (والمفعولُ المطلقُ، وهو المصدرُ الفَضْلَةُ المُتَسَلِّطُ عليه عاملٌ من لفظه كـ "ضربْتُ ضربًا"، أو معناه كـ "قعدت جلوسًا")}.

بسم الله الرحمن الرحيم.

اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد؛ فحيَّاكم الله وبيَّاكم في الدرس السابع عشر من دروس شرح "قطر النَّدى وبلِّ الصَّدى" لابن هشام -عليه رحمة الله-، ونحن في سنة ثنتين وأربعين وأربعمائة وألف، وهذا الدرس يُبثُّ من مدينة الرياض في الأكاديمية الإسلامية المفتوحة.

كنَّا قد انتهينا من الكلام على المفعول به، قال -رَحِمَهُ اللهُ: (ومنه المنادى...)، فتكلمنا على المفعول به، وكان هو أوَّل المكملات المنصوبات، وكذلك على المنادى ولواحقه.

والآن سيذكر ابن هشام -رَحِمَهُ اللهُ- بقيَّة المكملات المنصوبات، وهي المفاعيل، ثم الحال، ... إلخ.

وبدأ بالمفعول المطلق، وسيذكر ابن هشام فيه ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: تعريفه.

المسألة الثانية: ما ينوب عن المصدر.

المسألة الثالثة: تنبيهًا مهمًّا في المفعول المطلق.

فالمسألة الأولى: تعريف المفعول المطلق، قال -رَحِمَهُ اللهُ: (هو المصدرُ الفَضْلَةُ المُتَسَلِّطُ عليه عاملٌ من لفظه أو من معناه).

المفعول المطلق هو أسهل المفاعيل، ويقولون في تعريفه التعليمي: هو المصدر المنصوب بعدَ فعله.

فإذا وجدت مصدرًا منصوبًا قد وقع بعد فعله فهو مفعولٌ مطلقٌ، كقولك "جلسَ محمدٌ جلوسًا، حفظتُ القرآن حفظًا متقنًا، قرأ الإمامُ القرآنَ قراءةً خاشعةً"، وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]، وقال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4].

فهذه المصادر جاءت منصوبة بعدَ فعلها فتكون مفعولًا مطلقًا.

وقوله -رَحِمَهُ اللهُ: (هو المصدر)، فلابد أن يكون المفعول المطلق مصدرًا، ولا يكون من غير المصادر.

قوله (الفضلة)، أي: لابدَّ أن يكون فضلة، يعني بعد تمام الجملة الاسمية أو الفعلية.

قوله: (المسلَّط عليه عامل من لفظه أو من معناه)، لابدَّ أن يكون العامل الذي نصبه إمَّا من لفظه -وهذا هو الأكثر- كقولك "جلسَ محمدٌ جلوسًا صحيًّا"، وقد يكون من معناه، أي أن المفعول المطلق والفعل الذي نصبه بمعنى واحد ولو إجمالًا، كـ "قعدَ محمدٌ جلوسًا، قام محمدٌ وقوفًا".

ومما يجب أن يُعرف في المفعول المطلق: أنه هو المفعول الحقيقي، وبقيَّة المفاعيل كالمفعول به والمفعول له والمفعول معه ليست مفاعيل حقيقية.

ومعنى ذلك: أنَّك لو قلتَ: "جلستُ" فأنت فعلت الجلوس، وإذا قلتك "ضربتُ" فأنت فعلتَ الضرب، فهذا هو المصدر، فلا يُمكن أن تقول: "جلستُ" وأنتَ فعلتَ الشُّرب!

فمهما قلت من فعل فمعنى ذلك أنَّك فعلتَ مصدره، فهو المفعول الحقيقي، يعني: الشيء الذي فعلته في الحقيقة هو المفعول المطلق.

ولهذا فإن المفعول المطلق هو الوحيد الغير مُقيَّد بحرف الجر، لكن بقيَّة المفاعيل غير حقيقيَّة، ولذلك قُيِّدت بحرف الجر، فتقول: "مفعول به" يعني: وقع الفعل عليه، أو "مفعولٌ له" يعني: فُعلَ الفعلُ من أجله، أو "مفعول فيه" يعني: فُعِلَ في زمانه أو مكانه، أو "مفعول معه" يعني: فُعل بصحبته.

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وقد ينوب عنه غيره كـ "ضربتُه سوطًا" ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾، ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾)}.

قلنا قبل قليل: إنا لمفعول المطلق لا يكون إلا مصدرًا، لكن هناك أسماءً قد تنوب عن المصدر فتنتصب على المفعول المطلق من باب النيابة، وهذه الأسماء يجمعها جامع، وهو أنَّ هذه الأسماء بينها وبينَ هذا المصدر الذي كان يجب أن يقع مفعولًا مطلقًا علاقة، وهذه العلاقة أكسبت هذه الأسماء المصدريَّة، فانتصبت على المفعول المطلق.

كأن تقول مثلًا: "انتظرتُ زيدًا انتظارًا طويلًا" المفعول المطلق هو "انتظارًا"؛ لأنَّه مصدر "انتظرَ" فإذا حذفتَ "انتظارًا فقلت: "انتظرتُ زيدًا طويلًا" فـ "طويلًا" كان في الأصل نعتًا للمصدر الواقع مفعولًا مطلقًا، فلما حُذف المصدر -المفعول المطلق- قامت النعتُ مقامه وأخذ إعرابه، فصارَ مفعولًا مطلقًا، فنقول في الإعراب: "طويلًا" مفعول مطلق.

إذا قيل: كيف كانت هذه الكلمة مفعولًا مطلقًا مع أنها وصف مشتق وليست مصدرًا؟

نقول: لأنها نابت عن المصدر، فانتصب على أنها مفعول مطلق.

فهذه أشياء نابت عن المصادر فانتصبت على المفعول المطلق، ولم تنُبْ عن المفعول المطلق، فمن الخطأ قولهم: "نائب مفعول مطلق"؛ فليس في النحو نائب إلَّا نائب الفاعل فقط.

ما الذي ينوب عن المصدر؟

القاعدة العامة: أن الذي ينوب عن المصدر يكون اسم بينه وبين المصدر علاقة.

مثال ذلك:

أولًا: آلة الفعل.

الفعل "ضرب"، قد يكون الضرب بالسَّوطِ، أو بالنعل، أو بالصَّفع، أو بأي شيء، فتقول: "ضربته سوطًا" يعني: ضربته ضربَ سوطٍ، حذفنا المصدر، وأقمنا آلته مقامه، فانتصبت انتصابه، وكقولك: "ضربته كفًّا".

ثانيًا: عدد الفعل كم مرة وقع.

كأن تقول: "ضربته ضربةً، ضربته ضربتين، ضربته ثلاثَ ضرباتٍ"، المفعول المطلق "ثلاثَ" مع أنه عدد وليس بمصدر، ولكنه اكتسب المصدريَّة عندما أضيف إلى المصدر "ضربات" وهو جمع "ضربة".

ومنه قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4].

ثالثًا: ما دلَّ على كليَّةٍ أو بعضيَّةٍ مما أُضيفَ إلى المصدر.

كقولك: "أحبكَ كل الحبِّ، وأبغضه بعضَ البغضِ"، فـ "كل، بعض" مفعول مطلق، وانتصبت لأنها أُضيفت إلى المصدر، فاكتسبت بذلك المصدريَّة.

ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: 129]، فهذا ما دل على كليَّة، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة: 44]، وهذا دلَّ على بعضيَّة.

رابعًا: صفة المصدر.

كقولك: "انتظرته طويلًا"، أي: انتظرته انتظارًا طويلًا.

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وليس منه ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾)}.

قوله تعالى: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾، أي: من الجنة، جعلنا الله وإيَّاكم ووالدينا من أهلها.

فـ "رغدًا" هنا ليس مفعولًا مطلقًا، وإنما هو حال من المفعول المقدر، أي: "فكلوا منها أكلًا حالة كونه رغدًا". وهذا قول يُنسَب إلى سيوبه، وهو قول قويٌّ من الناحية المعنوية.

والقول الآخر: أنَّ "رغدًا" مفعول مطلق، وهو قول صحيح، ومقبولٌ من حيث المعنى، يعني: "وكُلَا منها أكلَ رغدٍ، أو: أكلًا رغدًا"، ثم حُذف المصدر وقامت الصفة -أو المضاف إليه- مقامه.

والصواب في ذلك: أنَّ كلا الإعرابين صحيح.

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (والمفعولُ له، وهو المصدر المُعَلِّلُ لِحَدَثٍ شاركه وقتًا وفاعلًا، كـ "قمْتُ إجلالًا لك")}.

ذكر ابن هشام في هذا الباب مسألتين:

المسألة الأولى: تعريفه.

المسألة الثانية: حكم فاقد الشروط.

والمفعول له: له أسماء؛ فيُسمى: المفعول له، المفعول لأجله، والمفعول من أجله.

عرفه ابن هشام بقوله: (المصدر المُعَلِّلُ لِحَدَثٍ شاركه وقتًا وفاعلًا).

عرفنا المفعول لأجله من قبل وشرحناه، ونشرك الآن التعريف لأن فيه أشياء لم تذكر في شرح المبتدئين.

قوله: (المصدر)، المفعول له كالمفعول المطلق في اشتراط المصدريَّة، فكلاهما لا يكون إلا مصدرًا.

تقول: "جئتُ حُبًّا لك، جئتُ خوفًا منكَ، جئتُ طلبًا للعلمِ"، ولابد أن يكون هذا الاسم الدال على التعليل مصدرًا.

ولا تقول: "جئتُ السمنَ، أو: جئتُ العسلَ، أو: جئتُ الكتابَ" أي: من أجل السمن أو العسل أو الكتاب! لأن هذه أسماء جامدة وليست مصادر، فلا تقع مفعولًا لأجله.

قوله: (المُعَلِّلُ)، لابد أن يكون دالًّا على علَّة.

قوله: (لِحَدَثٍ شاركه وقتًا وفاعلًا)، يشترطون في المفعول لأجله أن يكون هو والفعل الذي علَّله مشتركين في الفاعل وفي الوقت، فاعلهما واحد ووقتهما واحد.

فكونهما مشتركان في الفاعل: ما إذا قلتَ لك: "جئتُ حبًّا لك" الذي جاء هو المتكلم، والذي فعل الحب هو المتكلم؛ فهنا مشتركان في الفاعل.

وكونهما مشتركان في الزمان: فإن الفعل "جئتُ" في الماضي، و "حبًّا" وقع في الماضي، فكلاهما اشتركا في الزمان.

أما لو اختلف الشرط كأن تقول: "شرحتُ للنجاحِ"، ففاعل الشرح هو المتكلم، أما الذي يفعل النجاح فهم الطلاب؛ فهنا اختلف الفاعل، فما يجوز أن تقول "شرحتُ النجاحَ" فتنصب على المفعول له! لأنه لا ينتصب هنا لأن الفاعل مختلف.

وكأن تقول للطلاب: "استذكروا للنجاحِ" فالفاعل واحد، الذين يستذكرون هم الطلاب، والنجاح يقع من الطلاب؛ ولكن الزمن مختلف، فالفعل "استذكروا" في الحاضر، و"النجاح" في المستقبل، فما يجوز أن تقول "استذكروا النجاحَ" فتنصب على المفعول لأجله! وإنما لابد أن تجر باللام -كما سيأتي.

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (فإن فَقَدَ المُعَلِّلُ شرطًا جُرَّ بحرف التعليلِ، نحو ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾، "وإني لَتَعْرونِي لِذِكْراكِ هِزَّةٌ" و "فَجِئْتُ وقد نَضَّتْ لِنَومٍ ثيابَها")}.

ذكرنا قبل قليل: أنه لابد أن يكون المفعول لأجله مصدرًا، وأن يكون معلِّلًا، وأن يكون مشاركًا لفعله في الزمان وفي الفاعل.

فإذا اختلفت هذه الشروط بعضها أو كلها؛ فلا يجوز النصب على المفعول لأجله؛ وحكمه حينئذٍ: يجب أن يُجر بحرفٍ يدل على التعليل، وهي "اللام، من، الباء".

فتقول: "جئتُكَ للسَّمنِ"، ولا تقول: "جئتُكَ السمنَ"؛ لأنه ليس بمصدر.

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن: 10]، فـ "الأنام" اسم جامد وليس بمصدر، ولذلك جرها.

وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾ [البقرة: 29]، يعني: خلق من أجلكم، وهذا ضمير وليس بمصدر.

وأما فاقد الزمان، فقولك: "استذكروا للنجاحِ" فلابد أن تجر باللام أو بـ "من" فتقول: "للنجاح، أو من أجل النجاح"، ولا يجوز أن تنصب، فلا تقول: "استذكروا النجاحَ".

وشاهد ابن هشام قول امرؤ القيس:

فَـجِـئْـتُ وَقَـدْ نَـضَّـتْ لِـنَـوْمٍ ثِـيَـابَـهَــا ... لَـدَى الـسِّـتْـرِ إلاَّ لِـبْـسَـةَ الــمُـتَـفَـضِّلِ

 قوله: "نَـضَّـتْ لِـنَـوْمٍ ثِـيَـابَـهَــا" يعني: تخففت من ثيابها من أجل النوم.

الفعل: "نضَّت"، والعلة: النوم؛ وهما متفقان في الفاعل.

أما الزمان فمختلف؛ لأن النَّضَّ قبل النوم، فلهذا وجب الجر باللام، فقال "نضَّت لِنومٍ"، ولا يجوز أن تقول "نضَّت نومًا"!

أما فاقد اتحاد الفاعل، فكما قلنا "شرحتُ الدرس للنجاحِ"، ففاعل الشرح هو الأستاذ المتكلم، وفاعل النجاح هم الطلاب، فاختلف الفاعل، فلا يجوز أن تقول "شرحتُ النجاحَ"!

ومن ذلك قول الشاعر:

وإنِّي لَتَعْرُوني لِذِكْراكِ هَزَّةٌ ... كما انتفَضَ العُصْفُوْرُ بَلَّلَهُ القَطْرُ

وهذا البيت مذكورٌ في البلاغة لجمال التشبيه الذي فيه.

فقوله: "لَتَعْرُوني" يعني: تصيبني.

لماذا تصيبه هزَّة؟

الجواب: من أجلِ تذكره لها، فإذا تذكرها اهتزَّ.

ففاعل "تعروني": هــزةٌ. أما فاعل "ذكراكِ" هو المتكلِّم؛ فاختلف الفاعل فوجب الجر بحرف تعليل، وهو اللام هنا.

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (والمفعولُ فيه، وهو ما سُلِّط عليه عاملٌ على معنى "في" مِنَ اسمِ زمانٍ كـ "صُمْتُ يومَ الخميس، أو حِينًا، أو أسبوعًا"، أو اسمِ مكانٍ مبهمٍ)}.

ذكر ابن هشام في المفعول فيه ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: تعريفه.

المسألة الثانية: نوعيه.

المسألة الثالثة: الكلام على اسم الزمان المبهم.

المفعول فيه: يعني الذي فُعل الفعل فيه، إما في زمانه -ويسمَّى ظرف زمان- وإما في مكانه -ويُسمَّى ظرف مكان.

ولهذا عرَّفه ابن هشام بقوله: (ما سُلِّط عليه عاملٌ على معنى "في")، وهذا أهم ما في التعريف.

فإذا قلت: "سافرتُ يومَ الخميسِ" يعني: سافرت في يوم الخميس.

وكذلك لو قلت: "جلستُ أمامَ الأستاذ"، أي: جلستُ في هذا المكان الذي هو أمام الأستاذ.

فاسم المكان والزمان تسلَّط عليهما العامل -الذي هو الفعل- على تقدير "في".

ثم ذكر ابن هشام بعد ذلك نوعيه فقال: (مِنَ اسمِ زمانٍ كـ "صُمْتُ يومَ الخميس، أو حِينًا، أو أسبوعًا"، أو اسمِ مكانٍ مبهمٍ).

إذًا؛ المفعول فيه على نوعين:

الأول: اسم الزمان، وهو ظرف الزمان، وهو ما فُعِلَ الفعل في زمانه.

الثاني: ظرف المكان -أو اسم المكان- وهو ما فُعِلَ الفعلُ في مكانه.

كـ "صُمْتُ يومَ الخميسِ" يعني" صمتُ في يوم الخميس.

وقوله: (حينًا)، أي: صمتُ حينًا.

وقوله: (أسبوعًا)، أي: صمتُ أسبوعًا.

وابن هشام في "قطر الندى" لأنه متن مضغوط جدًّا لا يُمثِّلُ إلَّا قليلًا، وهنا مثَّل بثلاثة أمثلة "صُمْتُ يومَ الخميس، أو حِينًا، أو أسبوعًا"، ولا يزيد ابن هشام التمثيل إلا لسبب وفائدة، فأراد أن يقول: إن اسم الزمان يقعُ مفعولًا فيه مطلقًا، سواءٌ أكان مقيَّدًا بإضافة كـ "يوم الخميس" أو كان مطلقًا عامًّا مبهمًا غير مقيَّد كـ "صمتُ حينًا"، أو كان مقيَّدًا بعددٍ، كـ "صمتُ أسبوعًا"؛ فاسم الزمان يقع ظرف زمان مطلقًا، سواء كان:

* مبهمًا: كـ "صمتُ وقتًا، صمتُ يومًا، صمتُ حينًا".

* أو كان مقيَّدًا، وهو إما أن يكون:

- مقيَّدًا بناعتٍ: كـ "صمتُ يومًا طويلًا".

- أو مقيَّدًا بإضافة: كـ "صمتُ يومَ الخميس".

- أو مقيَّدًا بعددٍ: كـ "صمتُ يومين".

- أو مقيَّدًا بتعريفٍ: كـ "صمتُ رمضانَ" فـ "رمضان" علم على شهر.

أما اسم المكان فلا يقعُ ظرفَ مكانٍ إلا ما كان اسمَ مكانٍ مبهمًا، لقوله -رَحِمَهُ اللهُ: (أو اسمِ مكانٍ مبهمٍ)، فاشترط في اسم المكان لكي يقع ظرف مكان الإبهام.

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (أو اسمِ مكانٍ مبهمٍ وهو الجهاتُ السِّتُّ كالأَمامِ والفوق واليمين وعكسِهنَّ، ونحوِهنَّ كـ "عندَ ولدى"، والمقاديرُ كالفرسخِ، وما صيغ من مصدرِ عاملِه كـ "قعدتُ مَقْعَدَ زيدٍ")}.

اسم المكان إما أن يكون مبهمًا، وإمَّا أن يكونَ مقيَّدًا محددًا.

ومعنى كونه مقيَّدًا محددًا: يعني إذا كانت له حدود واضحة، تعرف بدايته ونهايته، كـ "المسجد" فهو اسم مكان ولكن حدوده واضحة، وكـ "البيت، الشارع"، فهذه أماكن محددة.

وقد يكون اسم المكان مبهمًا أو نسبيًّا، ككلمة "أمام" فهذا مكان، ولكن ليس له حدود، فلو قلتَ: "جلستُ أمامَ زيدٍ" فأمامُ زيدٍ ليس له قيود محددة، فهو مسألة نسبيَّة، وحدوده ليست مقيَّدة؛ فهذا مبهم، وهذا هو الذي يقع ظرف زمان.

ولا يجوز أن تقول: "نمتُ البيتَ" وأنت تقصد "في البيت"، ولا يجوز أن تقول: "درستُ الجامعةَ" وتقصد "درستُ في الجامعة"؛ فهنا لا ينتصب اسم المكان على الظرفيَّة المكانيَّة؛ لأنه اسم مكانٍ محدَّد أو مقيَّد، بخلاف اسم الزمان المبهم، كأن تقول: "جلستُ أمامَ زيدٍ، أو جلستُ خلفه".

وقد بيَّن ابن هشام المراد بأسماء المكان المبهمة، فحصرها لنا في ثلاثة أشياء:

الأول: أن يدلَّ على مكانٍ نسبيٍّ، كالجهات الست النسبية، وليست الجغرافيَّة -الشمال والجنوب-؛ وإنما الجهات النسبية التي هي "أمام، خلف، فوق، تحت، يمن، يسار" وما في ومعناها:

فوق: أعلى.

تحت: أسفل.

أمام: قدَّام.

خلف: وراء.

يمين: ذات اليمين.

فهذه كلها تنتصب، فتقول: "جلستُ أمامَ زيدٍ، وخلفَ زيدٍ".

وكذلك ما في معناها مما يدلُّ على مكانٍ مبهمٍ نسبي، مثل: "جلستُ عندَ زيد، جلستُ عندَ محمدٍ، جلستُ عندَ المسجدِ"، بحسب ما تضاف إليه.

الثاني: المقادير، يعني: ما دلَّ على مقدار، ولكن هذا المقدار غير معيَّنٍ، كأن تقول: "سافرتُ ميلًا"، فالميل محدد، ولكن ليس معروفًا في أي مكان، فمقداره محدد لكن مكانه غير محدد، والممنوع هو أن يكون مكانه محددًا.

الثالث: اسم المكان الذي صِيغَ من ناصبه -أي من فعله- كـ "جلستُ مجلسَ زيدٍ" يعني: في المكان الذي جلس فيه زيد. وكـ "ذهبنا مذهب زيد"، يعني: ذهبنا في هذا المكان الذي ذهب منه زيد.

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن: 9]، يعني: كنا نقعد في مقاعد للسمع.

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (والمفعولُ مَعَهُ، وهو اسمٌ فَضْلَةٌ بعدَ واوٍ أريد بها التنصيصُ على المعية، مسبوقةٍ بفعلٍ أو ما فيه حروفُه ومعناه، كـ "سرت وَالنيلَ" و "أنا سائر والنيلَ")}.

المفعول معه ذكر فيه ابن هشام مسألتين:

المسألة الأولى: تعريفه.

المسألة الثانية: حالات الاسم بعدَ واو المعيَّة.

المفعول معه هو أسلوبٌ ظريفٌ وإن كان استعماله قلَّ في هذا الزَّمان، وقد شرحناه في شرح المبتدئين، لكن سنركز على ما زاده ابن هشام -رَحِمَهُ اللهُ تعالى- إذ قيَّده تقييدًا دقيقًا جدًّا في التعريف، فقال: (اسمٌ فَضْلَةٌ)، أي: ليس من أركان الجملة، لا مبتدأ وخبر، ولا فعل وفاعل؛ فهو فضلة لا يأتي إلا بعد تمام الجملتين.

قوله: (بعدَ واوٍ)، لابد أن يُسبق بواوٍ، وبقيَّة المفاعيل لا تُسبق بواو.

قوله: (أريد بها التنصيصُ على المعية)، لابد أن تكون واوًا تدل على كلمة "مع" كأن تقول: "سرتُ والسورَ، سرتُ والشاطئ"، يعني: سرتُ مع الشاطئ، وبصحبته وبمعيَّته، فالواو هنا بمعنى "مع".

وهذه الواو التي بمعنى "مع" فيها شرط ذكره ابن هشام ذكره ابن هشام فقال (مسبوقةٍ بفعلٍ أو ما فيه حروفُه ومعناه).

- فلابد أن تسبق هذه الواو بفعل كـ "سرتُ والشاطئ".

- أو بما فيه حروفه ومعناه، كـ "أنا سائرٌ والشاطئَ".

وقوله في التعريف: (اسمٌ) أرادَ أن يُخرِجَ أسلوبًا آخر، وهو: واو المعية التي بعدها فعل، كقولنا "لا تأكل السمكَ وتشرب اللبنَ" وهذه دُرسَت في إعراب الفعل، فالفعل قد ينتصب بـ "أن" مضمرة إذا وقع بعد واو المعيَّة، لكن هنا نريد الاسم.

وقوله: (فضلة)، يعني لا عمدة، كما لو قلتَ: "اختصمَ زيدٌ وخالدٌ" يعني: اختصموا مع بعض، فالواو هنا بمعنى "مع" لكن "خالد" هنا ليس فضلة، وإنما عمدة، لأن المعطوف على العمدة عمدة، والفعل "اختصمَ" دالٌّ على المشاركة، يعني: ما يقع من جهة واحدة، ما تقول: "اختصم زيدٌ" وتسكت، لابد أن تقول: "اختصم زيدٌ وخالدٌ" فـ "خالدٌ" عمدة ولا يُمكن أن تجعلها فضلة.

قوله: (بعدَ واو) فلو قيل: "جاء زيدٌ مع خالدٍ" فهذا أسلوبٌ آخر، فـ "مع" ظرف، و "خالدٌ" مضافٌ إليه.

قوله: (أريد بها التنصيصُ على المعية)، وهذا أمرٌ مهم، كما لو قلت: "جاءَ زيدٌ وخالدٌ" فإذا جاؤوا مع بعض فالواو بمعنى "مع" لأنهما جاءا معًا، لكن هذه الواو ليست نصًّا في المعيَّة، فقد تكون عاطفة، وقد تكون للمعيَّة؛ فلهذا يجوز فيها الوجهان.

أما التي يجب أن ينتصب ما بعدها على المعيَّة هي ما كانت نصًّا في المعيَّة بحيث لا تحتمل غير المعيَّة.

وقوله: (مسبوقةٍ بفعلٍ أو ما فيه حروفُه ومعناه) ليخرج أسلوبًا آخر، وهو ما ذكرناه في باب المبتدأ والخبر، كقولك: "كلُّ رجلٍ وضَيعتُه، كلُّ جنديٍّ وسلاحُه، كلُّ شيخٍ وطريقتُه"، فالخبر هنا محذوف تقديره "متلازمان"، فالواو هنا للمعيَّة، ولكن لم تسبق بفعل، وإنما سُبقَت بمبتدأ وهو "كل رجل"، وما بعد الواو هنا مرفوع؛ لأنها معيَّة للعطف.

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وقد يجب النصبُ، كقولك: "لا تنهَ عن القبيح وإتيانَه"، ومنه "قمت وزيدًا" و "مررت بك وزيدًا" على الأصح فيهما. ويترجح في نحو قولك: "كن أنت وزيدًا كالأخ". ويضعف في نحو "قام زيدٌ وعمرٌو")}.

الاسم إذا وقع بعد الواو التي يُحتَمل أن تكونَ للمعيَّة له حالات، وهذه الحالات إما:

- أن تعود إلى المعنى: فالمعنى أحيانًا قد يُوجب المعيَّة أو يُوجب العطف، فلابد من النظر في ذلك.

- أو تعود إلى الصناعة النحوية: وهي الأحكام النحويَّة، فأحيانًا لا يجوز أن نجعل الواو عاطفة، لامتناع العطف مثلًا.

فلابد من مراعاة ذلك، فعند تطبيق مراعاة المعنى ومراعاة الصناعة سنخرج بهذه الحالات:

الحالة الأولى: وجوب النصب، وهذا:

* إما أن المعنى يوجبه: كقولك: "لا تنْهَ عن خلقٍ وإتيانه"، الواو هنا لا يصح أن تكون للعطف، لأنها لو كانت للعطف لكان المعنى: لا تنهَ عن خلقٍ ولا تَنْهَ عن إتيان هذا الخلق! فلا يصح هذا المعنى، وأما المعنى الصحيح: لا تَنْهَ عن خلقٍ مع إتيانك إيَّاه، فالواو هنا لا تكون غلا للمعيَّة، وتنصب ما بعدها.

* أو أن الصناعة توجبه: كقولك: "قمتُ وزيدًا"، في باب العطف يقولون: ضمير الرفع المتصل كتاء المتكلم لا يُعطَف عليه غلا بفاصلٍ، فتقول "قمتُ أنا وزيدٌ، أو: قمتُ الآن وزيدٌ"، فلو كان فيه فاصل جاز العطف، أما إذا لم يُوجد فاصل فلا تعطف عليه.

إذًا في قولك: "قمتُ وزيدًا" لا يجوز أن نجعل الواو للعطف، فننصب "زيدًا" على المعيَّة، والمعنى يكون: قمتُ مع زيدٍ.

وكذلك في قولك: "مررتُ بك وزيدًا" فالباء حرف جر، والكاف ضمير واقع في محل جر، ولا يصح أن نجعل الواو هنا للعطف؛ لأن ضمير الجر لا يُعطَف عليه إلا بفاصل، كأن تقول: "مررتُ بك أنت وزيدٍ، أو: مررتُ بك الآن وزيدٍ"، فلما لم يوجد فاصل كما في هذا المثال؛ وجبَ أن نجعل الواو للمعية، فقال: "مررتُ بك وزيدًا".

وقول ابن هشام: (على الأصح فيهما)؛ لأن في هاتين المسألتين خلافًا، فبعضهم يُجيزُ العطف مع عدم قوَّته.

قال: (ويترجَّح)، يعني أن النصب قد يكون راجحًا لا واجبًا، فالنصب جائز والعطف جائز، إلا أن النصب على المعية أرجح، كما في قولك "كن أنتَ وزيدًا كالأخِ"، إنسان اختلف مع زيد، فأنت تكلمه وتنصحه وتقول له "كنْ أنتَ وزيدًا كالأخ" فكلامك موجَّهٌ له هو فقط؛ لأن "زيد" غير موجود، والمعنى: كن أنتَ مع زيد؛ فلو كان موجودًا هو وزيد والكلام موجَّه إليهما فحينئذٍ تعطف وتقول: "كن أنت وزيدٌ"، أو تقول: "كونا كالأخوين" فتوجه الخطاب إليهما.

ومع ذلك يصح العطف لوجود الفاصل "أنت"، فيصح أن ترفع وتقول "كنْ أنتَ وزيدٌ"، والأفضل أن يكون على النصب.

قال: (ويضعف) أي يضعف النصب.

قال: (في نحو "قام زيدٌ وعمرٌو")، فهنا يجوز أن تعطف على "زيد" لأنه اسم ظاهر وليس بضمير، فتقول: "قام زيدٌ وعمرٌو"، ويجوز أن تنصب على المعيَّة فتقول: "قام زيدٌ وعمرًا" أي: مع عمرو؛ وليس هناك ما يُرجِّح النصب، فيبقى الأمر على الأصل وهو العطف.

وحكمه هنا في الحقيقة حكمٌ نحوي؛ لأنَّ هذا هو الأكثر في الكلام، لكن الحقيقة أن الذي يُرجِّح في مثل ذلك في الأمور الجائزة، إذا كانت فيه أمور جائزة في النحوي، فإن النَّحوي يقول: هذه جائزة، هذه أكثر، هذه قليلة...، وهكذا يفصل بحسب السماع.

أما الذي يُرجِّح في الحقيقة هو البلاغة، فالمعنى الذي تريد هو الذي يُرجِّح حينئذٍ.

مثال ذلك: لو أنَّك سافرتَ مع محمد إلى مكان، فننظر:

- إن كان محمد فعل السفر بقصد: فالأفضل أن تقول "سافرتُ أنا ومحمدٌ"

- أو كان فعله فقط لأنه بصحبتك ولم يكن قاصدًا السفر: فالأفضل والأبلغ أن تقول "سافرتُ أنا ومحمدًا" لتُخبر بالأمرين: أنه فعل السفر، وأنه لم يكن قاصدًا، وإنما سافر لأنه معك.

فهذه الأمور ينبغي أن تراعى.

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (بابُ الحال: وهو وَصفٌ فَضْلَةٌ في جوابِ كيفَ، كـ "ضربت اللص مكتوفًا")}.

باب الحال من أهم أبواب النحو لكثرة استعماله والحاجة إليه.

ذكر فيه ابن هشام ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: تعريفه.

المسألة الثانية: شرط الحال.

المسألة الثالثة: شرط صاحب الحال.

قال في التعريف (وَصفٌ فَضْلَةٌ في جوابِ كيفَ).

نحن ركَّزنا في شرح المبتدئين على العلاقة بينَ الحال والنعت -الصفة- لأنهما أخوان، فنذكر بذلك ولا نعيده.

قوله: (وَصفٌ)، الحال في الحقيقة وصفٌ لصاحبه، يعني نعتٌ له، فإذا قلت "جاء محمدٌ ضاحكًا"، فالضَّحك من صفةِ من صفات محمد، فهو وصفٌ، فلهذا لا يكون الحال إلا من الأسماء الدَّالَّة على الصفات، وتسمَّى الأوصاف، كاسم الفاعل، اسم المفعول، صيغ المبالغة، الصفة المشبهة.

قوله: (فَضْلَةٌ)، يعني يكون بعد تمام أركان الجملتين.

قوله: (في جوابِ كيفَ) هذا بيانٌ لوظيفة الحال وفائدته، لأن الحال تبيِّن الحالة -الكيفيَّة- التي كان عليها صاحبها وقتَ الفعل فقط، أما قبل الفعل وبعد الفعل فإنها لا تدل على إثبات ولا على نفي، فأنت إذا قلت "جاء محمدٌ ضاحكًا" يعني: حالة محمد وقت المجيء هي الضحك، لكن قبل المجيء وبعد المجيء لا تثبت الضحك ولا تنفي الضحك.

هذا بخلاف النعت، فإن الأصل في النعت أنه يدل على أن هذه الصفة من الصفات المعروفة في صابحها، فإذا قلتَ: "جاء محمدٌ الضَّاحكُ" وجعلت "الضَّحك

" نعتًا؛ فمعنى ذلك أنَّك تقول: إنَّ الضَّحك صفة معروفة في محمد.

مثال: "ضربت اللص مكتوفًا"، فـ "مكتوفًا" حالٌ من المفعول به "اللص" يعني: ضربتُ اللصَّ حالة كونه مكتوفًا.

فلو قلتَ: "ضربتُ اللصَّ". فسألتُكَ: كيف ضربتَه؟ فتقول في الجواب: "مكتوفًا".

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وشرطُها التنكير)}.

هذا مهم، وهذا هو الفرق بين الحال وبين النعت، فقلنا: إن الحال والنعت كلاهما وصفٌ لصاحبه، كالضَّحك في محمد، إلا أنَّ الوصف إذا وافق الموصوف سواء في التعريف كـ "جاء الطالبُ الضاحكُ" أو في التنكير كـ "جاء طالبٌ ضاحكٌ"؛ فنقول عن الصفة: إنها نعت.

أما إذا اختلفا، وذلك بأن يكون صاحب الصفة معرفة والصفة نكرة، كـ "جاءَ الطالبُ ضاحكًا"؛ فنقول عن "ضاحكًا": إنه حال.

لهذا اشترطنا في الحال أن تكون نكرة؛ لأن صاحبها معرفة، فيختلفان في التعريف والتنكير، فتكون الصفة حينئذٍ صارت حالًا.

وقد تجيء الحال معرفة في بعض الأساليب، وهي مع ذلك مؤوَّلة بنكرة، كقول العرب: "ادخلوا الأول فالأولَ" يعني: ادخلوا مرتَّبين.

وكقولهم: "جاء زيدٌ وحده"، يعني: جاء منفردًا.

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وصاحبِها التعريفُ، أو التخصيصُ، أو التعميمُ، أو التأخيرُ، نحو ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ﴾، ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾، ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾)}.

بعدَ أن ذكر شرط الحال وهو التنكير؛ ذكر الآن شرط صاحب الحال.

المراد بصاحب الحال: هو الموصوف بالحال.

فإذا قلت: "جاء محمدٌ ضاحكًا" فالضحك صفة لـ "محمد" وهذا هو صاحب الحال.

وشرط صاحب الحال -كما قال ابن هشام:

- إما التعريف، أي: يكون معرفة.

- أو التخصيص، أي: نكرة مخصصة.

- أو التعميم، أي: نكرة عامَّة.

- أو التأخير، أي: نكرة متأخرة.

والأصل في صاحب الحال أن يكون معرفة، وصفته تكون نكرة، كقولك: "جاء الطالب ضاحكًا".

وكقوله تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ﴾ [القمر: 7]، يعني: يخرجون حالة كونهم خشَّعًا أبصارهم. فالحال "خشَّعًا"، وصاحب الحال: واو الجماعة في "يخرجون"، واو الجماعة معرفة لأنها ضمير.

وقد يكون صاحب الحال نكرة، لكن بشرط أن تكون إما:

- نكرة مخصصة، يعني مخصصة إما:

* بنعتٍ: كقولك: "جاءَ طالبٌ مجتهدٌ ضاحكًا"، فـ "ضاحكًا" حال من "طالب" ولكن "طالب نكرة تخصَّصَ بالنَّعتِ "مجتهدٌ".

* أو إضافة، كقولك: "جاء طالب علمٍ ضاحكًا"، فـ "طالب" تخصَّصَ بالإضافة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: 10]، يعني: في أربعةِ أيَّامٍ حالةَ كونها سواءً -أي: مستوية- فـ "أربعةِ أيَّامٍ" نكرة تخصَّصت بالإضافة.

- أو نكرة عامَّة: كالنكرة الواقعة في سياق النفي أو الاستفهام، كقولك: "ما جاءَ طالبٌ إلَّا ضاحكًا"، أو "هل جاء طالبٌ ضاحكًا؟"، وكقوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208]، فصاحب الحال "قرية" وجُرَّت بـ "من" زائدة للتوكيد. و "إلَّا" أداةُ حصرٍ. و"لها منذرون" جملة اسميَّة وقعت حالًا، والمعنى: ما أهلكنا من قريةٍ إلَّا حالة كونها لها منذرون.

- أو نكرة مؤخَّرة، يعني أنَّ الحال تقدَّمت، وهذه النَّكرة تأخَّرت، فتقول: "جاء ضاحكًا طالبٌ"، فـ "ضاحكًا" حال مقدَّمة، و "طالبٌ" فاعل وهو صاحب الحال.

فلهذا يقولون: نعتٌ نكرة إذا تقدَّم عليها صارَ حالًا، كما لو قلت: "جاءَ رجلٌ خائفٌ" ثم تقدم النعت على المنعوت، فتقول: "جاء خائفًا رجلٌ"، ولا نقول: "جاء خائفٌ رجلٌ" لأن المعنى سيتغيَّر حينئذٍ.

ومن ذلك قول الشاعر:

لـِمَـيَّةَ مُوحِشًا طَللُ ... يَلــوحُ كَأنَّــــهُ خَــلَلَ

ويقول الشاعر: أن ميَّة لها طللٌ موحشٌ.

فلما قدَّم الصفة "موحشٌ" انتصبت على الحال، فقال "لـِمَـيَّةَ مُوحِشًا طَللُ".

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (والتمييزُ هو اسمٌ فضلةٌ نكرةٌ جامدٌ مُفَسِّرٌ لما انْبَهَمَ من الذوات)}.

التمييز ذكر فيه ابن هشام -رَحِمَهُ اللهُ- مسائل:

المسألة الأولى: تعريفه.

المسألة الثاني: تمييز الذات.

المسألة الثالثة: تمييز "كم".

المسألة الرابعة: تمييز النسبة.

المسألة الخامسة: مجيء الحال والتمييز للتوكيد.

بدأ بالكلام على تعريفه فقال: (اسمٌ فضلةٌ نكرةٌ جامدٌ مُفَسِّرٌ لما انْبَهَمَ من الذوات).

واضح أنَّ ابن هشام عندما يُعرف تعريفًا علميًّا يُحاول أن يُحيط بجميع ما يجب أن يكون عليه المعرَّف.

فقال عن التمييز (اسمٌ)، فالتمييز لا يكون إلَّا من الأسماء، فلا يكون من الأفعال أو من الجمل.

قال: (فضلةٌ)، فهو لا يكون عمدة، فلا يكون غلا بعدَ تمام الجملة.

قال: (نكرة)، فهو لا يكون معرفة.

والتمييز بهذه الشروط الثلاثة -اسم، فضل، نكرة- يوافق الحال.

ثم قال (جامدٌ)، يعني لا يكونُ وصفًا من المشتقات؛ بل يكون من الجوامد -أي الأسماء التي ليس لها أفعال- مثل "باب، كأس، قلم، بقرة".

قوله: (مُفَسِّرٌ لما انْبَهَمَ من الذوات)، هذه فائدةُ التمييز، فالتمييز يُؤتَى به لأن هناكَ إبهامًا سابقًا، والإبهام هو الذي يحتمل أكثر من وجه؛ فيأتي التمييز مبيِّنًا لهذا الوجه المراد من المبهم السابق.

ولم يذكر ابن هشام أمرًا مهمًّا في التعريف كان ينبغي أن يذكره، وهو أنَّ هذا التفسير يجب أن يكون على تقدير "من" كما ذكر في الحال، وكما ذكر في المفعول فيه أنه على تقدير "في"، وسنشير إلى ذلك في نوعي التمييز.

ولم يذكر ابن هشام أن التمييز على نوعين، ولكن ذكر النوعين، وهما:

- تمييز ذات.

- تمييز نسبة.

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وأكثر وقوعِه بعد المقاديرِ كـ "جَرِيبٍ نخلًا، وصاعٍ تمرًا، ومَنَوَيْنِ عسلًا" والعددِ نحوِ ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾، و ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾)}.

وفي تمييز الذات: يكون الإبهام في اسمٍ قبل التمييز، كقولك: "جاء عشرون" فالإبهام في كلمة "عشرين" لأنها هي التي تحتمل وتحتمل، فيأتي التمييز رافعًا لهذا الإبهام، فتقول: "جاء عشرون رجلًا، جاء عشرون مهندسًا".

ولتمييز الذات مواضع مُعيَّنة، من أشهرها:

- كل اسمٍ منصوب بعدما يدلُّ على مقدارٍ فهو تمييز، والمقدار إما بالمساحة، أو الحجم، أو الثِّقَل؛ كقولك: "عندي جريبٌ نخلًا"، فـ "الجريب" مقدار مثل الفرسخ أو الكيلو، وكقولك: "عندي شبرٌ حريرًا، عندي صاعٌ تمرًا" فـ "الصاع" كيل يدل على مقدار، "تمرًا" تمييز.

وكقولك: "عندي منوين عسلًا" فـ "منوين" تثنية "مَنَا" وهو مقدار يُكال به السوائل.

- الاسم المنصوب بعد العدد هو تمييز، كـ "جاء عشرون رجلًا"، ومنه قوله تعالى: ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص: 23]، وقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4].

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (ومنه تمييزُ "كَمِ" الاستفهاميةِ نحوُ "كَمْ عبدًا ملكتَ؟". فأما تمييز الخبريةِ فمجرورٌ، مفردٌ كتمييز المئةِ وما فوقَها، أو مجموعٌ كتمييز العشرةِ وما دونها. ولك في تمييز الاستفهاميةِ المجرورةِ بالحرفِ جرٌّ ونصبٌ)}.

ابن هشام أحيانًا من أجل الاختصار والضغط يُدخل بعض المسائل في بعضها، ولا يفردها في بابٍ معيَّنٍ، فـ "كم" لم يفردها في باب معيَّن، وإنما ذكر أحكامها هنا في باب التمييز.

و "كم" على نوعين:

- "كم" الخبريَّة: وهي التي تُخبر بها عن شيءٍ كثيرٍ. كقولك: "كم رجلٍ عندك" فهذه "كم" الخبرية، كأنك تقول: عندك رجالٌ كثيرون.

- "كم" الاستفهاميَّة: التي تستفهم بها وتحتاجُ إلى جوابٍ، كقولك: "كم رجلًا عندك؟" فهذا استفهام.

وفرقنا بينهما فقط بالنصب والجر:

* فقولك: "كم رجلًا؟" صارت "كم" للاستفهام.

* وقولك: "كم رجلٍ" بالجر صارت إخبار وتكثير ومبالغة.

وابن هشام تكلم هنا على تمييز "كم"، فيقول: إن "كم" الاستفهاميَّة إما أن تكون:

- مجرورة بحرف جر، كقولك "بكم، على كم، لكم": وهذه لك في تمييزها أن تجره وأن تنصبه، فتقول "بكم ريالٍ هذا الشيء؟ بكم ريالًا هذا الشيء؟".

- أو غير مجرورة بحرف جر: وهذه تمييزها منصوب، تقول "كم رجلًا عندك؟".

أمَّا "كم" الخبريَّة فتمييزها مجرور، ويجوز أن يكون:

* مفردًا فتقول "كم مرَّةٍ طلبت منك أن تفعل ذلك" يعني: طلبتُ منك مراتٍ كثيرة. فـ "مرةٍ" مفرد مجرور.

* أو جمعًا مجرورًا، كقولك: "كم مراتٍ قلتُ لك ذلك".

{شكر الله لكم فضيلة الشيخ ما قدَّمتم، سائلين الله أن يجعله في موازين حسناتكم، والشكر موصولٌ لكم أعزائي المشاهدين على طيب المتابعة، إلى حلقة أخرى من حلقات برنامجكم "البناء العلمي" إلى ذلكم الحين نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته}.

المزيد إظهار أقل
تبليــــغ

اكتب المشكلة التي تواجهك