الدرس الثاني والعشرون

فضيلة الشيخ د. سليمان بن عبدالعزيز العيوني

إحصائية السلسلة

2692 22
الدرس الثاني والعشرون

قطر الندى

{السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أهلًا ومرحبًا بكم أعزائي المشاهدين والمشاهدات في حلقةٍ جديدةٍ من حلقات برنامجكم "البناء العلمي".

في هذه الحلقة نستكمل وإيَّاكم شرح "قطر النَّدى وبلِّ الصَّدى" لابن هشام -رَحِمَهُ اللهُ-، وسيكون ضيفنا فضيلة الشيخ: أ. د سليمان بن عبد العزيز العيوني، عضو هيئة التدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. باسمي واسمكم جميعًا أرحب بفضيلة الشيخ}.

يا أهلًا وسهلًا ومرحبًا بكم.

{شيخنا الفاضل: توقفنا في الحلقة الماضية عند شرح الممنوع من الصرف، فهل تتفضلون بإكمال ما بقي في هذا الباب}.

بسم الله الرحمن الرحيم.

اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

في الدرس الماضي توقفنا في أثناء الكلام على الأسماء الممنوعة من الصرف، وذكرنا ستَّة أسماء، ثم توقفنا في أثناء الكلام على الاسم السابع، وهو المعرفة المعدولة.

قلنا: المراد بالمعرفة المعدولة أربعة أشياء:

الأول: العلم المذكر على وزن "فُعَل" وشرحناه.

الثاني: العلم المؤنث على وزن "فَعَل" عند تميم، وشرحناه.

الثالث: كلمة "أمسِ"، وهذه الكلمة تكلمنا عليها من قبل في باب المعرب والمبني، لأن العرب بينهم خلافٌ في هذه الكلمة، وإجمال ما ذكرنا من قبل في باب المعرب والمبني:

- أنَّ كلمة "أمس" إذا كانت ظرف زمان والمراد بها اليوم الذي قبل يومك: فهذه مبنيَّة على الكسر اتفاقًا عند العرب، تقول: "جئتُ أمسِ، زرته أمسِ".

- أمَّا إذا لم يُرَدْ بها ظرف الزَّمان، وكان المراد بها اليوم الذي قبل يومك: فحينئذٍ اختلف العرب فيها على لغتين:

* الحجازيُّون بقوا على أصلهم في البناء على الكسر، فيقولون: "مضى أمسِ بما فيه، وأحببتُ أمسِ بما فيه، وانتظرتُكَ من أمسِ إلى اليوم".

* أما بنو تميم فهم على فرقتين:

- بعضهم منعوه من الصرف، فتقول: "مضى أمسُ بما فيه"، فيمنعونه من الصرف، ولكنه يُعربون، ويقولون: "أحببتُ أمسَ بما فيه، وانتظرته من أمسَ إلى اليوم"، لأنه ممنوع من الصرف.

- وبعضهم وافق الحجازيين في بنائهم على الكسر إلا في الرفع فيمنعونه من الصرف، فلهذا يقولون في الجر: "انتظرته من أمسِ إلى اليوم، وأحببتُ أمسِ بما فيه، مضى أمسُ بما فيه".

وهذا هو قول ابن هشام -رَحِمَهُ اللهُ: (وكعُمَرَ عند تميمٍ بابُ حذامِ إن لم يختم براءٍ كسَفَارِ، وأمسِ لِمُعَيَّنٍ إن كان مرفوعًا، وبعضهم لم يشترط فيهما)، يعني أن بني تميم على فرقتين.

الرابع مما يدخل في المعرفة المعدولة: كلمة "سحر".

والمراد بـ "السحر": آخر الليل.

وكلمة "سحر" لها استعمالان:

- إمَّا أن يُرادُ بها سحرُ يومٍ معيَّن: فهذه تُمنع من الصرف عند العرب، كأن تقول: "جئتُكَ يوم الجمعة سحرَ يا محمد"، لأنَّك أردتَّ سحر يوم الجمعة -يعني سحر يوم معين- فهنا تمنع من الصرف.

- وإمَّا أن لا تريد به سحر يومٍ معيَّن، وإنما تريد آخر الليل مطلقًا في أي ليلة، فتقول مثلًا: "زرني سحرًا"، يعني: في أيِّ سحرٍ من الأسحار.

وتقول: "صلِّ سحرًا"، ومنه قوله تعالى: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: 34].

فإذا كان المراد بها غير معيَّنٍ فهي مصروفة على الأصل، وإذا كان المراد بها معيَّن مُنِعَت من الصرف، وهذه من الأشياء التي نقول فيها دائمًا: إنَّ اللغة تُمايز بين المعاني بالحركات، يعني فقط بحركة عرفنا المراد.

فإذا قلت مثلًا: "زرتُكَ سحرَ" فهو آخرُ سحر. وإذا قلتُ: "زرتُكَ سحرًا"، فإنك تريد أنك زرته في آخر الليل، ولم تعيِّن السحر.

الاسم التاسع من الأسماء الممنوعة من الصرف: الوصف الذي على وزن "فَعْلَان"، وهو الوصف المختوم بألف ونون زائدتين، ولكن لا يريدون أي ألف ونون زائدتين؛ وإنما يُريدون فقط التي على وزن "فَعْلَان"، كـ "سَكْران، غَضْبَان، فَرْحَان، عَطْشان"، تقول: "أنا عطشانُ يا محمد، رأيتُ عطشانَ يا محمد، ومررتُ بعطشانَ يا محمد"؛ فتمنعه من الصرف.

لكن لو قُلت: "عُرْيَان" فهذا مصروف لأنه على وزن "فُعْلَان" وليس على وزن "فَعْلَان".

وكذلك لو قلنا: "سِرْحَان" وهو من أسماء الذئب، وهو مصروف لأنه على وزن "فِعْلَان".

وبيَّن ابن هشام -رَحِمَهُ اللهُ- أنه إنما يُمنع بشرطين:

الشرط الأول: أن لا تكون الوصفيَّة عارضة، يعني أن الأصل في هذا الاسم أنه كان اسمًا خالص الاسميَّة، لكنه نُقل إلى الوصفيَّة فوُصف به، ككلمة "صفوان"، فهي في الأصل اسمٌ للحجارة الملساء، فإذا لمستَ حصى أملسًا تقول: "هذا صفوانٌ" كقولك: "هذا حَجَرٌ"؛ ثم وُصف به القاسي تشبيهًا له بالحجارة، فتقول: "رأيتُ رجلًا صفوانًا"، فهنا يُصرَف.

الشرط الثاني: أن لا يكون تأنيث "فَعْلَان" بالتاء، وإنما يكون تأنيثه بصورة أخرى، فـ "غَضْبان" مؤنَّث "غضبى"، و "سَكْران - سَكْرى، عَطْشَان - عطْشَى".

لكن لو قلنا مثلًا: "عريان - عريانة"، فهنا مؤنثة بالتاء.

أما كلمة "ندمان" فيقولون "ندمى" إذا كان من النَّدم، وهنا يكون ممنوعة من الصرف، أما لو كانت من المنادمة -يعني المسامرة- فيقولون: "هذه ندمانة لزيد"، يعني: صديقةٌ مسامرةٌ؛ فتُصرَف لأن مؤنَّثها بالتاء.

الاسم العاشر من الأسماء الممنوعة من الصرف: الوصف الذي على وزن "أفعل".

يقولون: الوصف على وزن الفعل، ولكن لا يُراد كل أوزان الفعل، وإنما يُراد فقط وزن "أفْعَل"؛ فكل وصف على وزن "أَفعل" يُمنع من الصرف، مثل "أحمر، أزرق، أصفر"، وكذلك بقيَّة الألوان، وكذلك: "أحمق، وأعور، أعمى"، وكذلك بقيَّة العيوب. وكذلك "أفعل" من أسماء التفضيل، مثل "أطول، أقصر، أجمل، أقبح"؛ فهذه كلها ممنوعة من الصرف لأنها أوصاف على وزن أفعل.

تقول: "محمدٌ أطولُ من زيدٍ"، ولا تقول "أطولٌ".

وتقول: "هذا الشيء أحمرُ"، ولا تقول "أحمرٌ".

ولهذا نُخادع بعض الطلاب ونقول لهم: "صفارُ البيضِ أصفرٌ أم أصفرًا؟" والصواب أنها "أصفرُ".

وهذا الوصف الذي على وزن "أفعل" لا يُمنع من الصرف إلا بالشرطين السابقين:

الشرط الأول: أن لا تكون الوصفيَّة عارضة، فإن كان أصله اسمًا خالصَ الاسميَّة ثم نُقل إلى الوصفية فيُصرَف، مثل كلمة "أرنب"، فالأصل أنه مثل "أسد، حصان" اسم جنس لهذا الحيوان وليس وصفًا، إلا أنَّ العرب صارت تصف به بمعنى ذليل أو جبان، فيقولون: "رأيتُ رجلًا أرنبًا"؛ فحينئذٍ يبقى على صرفه اعتبارًا بالأصل، ولا يُنظَر إلى طارئ الوصفيَّة.

الشرط الثاني: أن لا يكون تأنيثه بالتاء، كقولهم: "أرمل - أرملة"، فهذا مصروفٌ، بخلاف: "أكبر - كبرى، أصغر - صغرى، أحمق - حمقاء، أحمر - حمراء"؛ فكل هذا تأنيثه بغير التاء.

قال ابن هشام -رَحِمَهُ اللهُ: (والصفةِ)، يعني وشرط الصفة: (أصالتُها وعدمُ قبولها التاءَ، فـ "عريانٌ، وأرملٌ، وصفوانٌ، وأرنبٌ بِمَعْنَى قاسٍ وذليلٍ" منصرفةٌ).

الاسم العاشر من الأسماء الممنوعة من الصرف: الوصف المعدول.

عرفنا المراد بالعدل، والكلام هنا على وصف عدلت به العرب عن صيغتها التي كانت تستحقها بالقياس إلى صيغة أخرى مع بقاء المعنى.

والمراد بالوصف المعدول شيئان:

الأول: كلمة "أُخَر" جمع "أخْرَى" كما في قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]، فمُنع من الصرف للوصفيَّة والعدل.

فقولنا "الوصفية" واضح، لأنه وصف الأيام بأنها "أُخَر".

أما "العدل" فلأن القياس فيه أن يُقال "آخر" لأنَّ "أُخَر" جمع "أُخرَى" وهو مؤنث "آخر"، و"آخر" اسم تفضيل، وأسماء التفضيل -كما درسنا- إذا كان مجرَّدًا من "أل" والإضافة فقياسه أن يلتزم الإفراد والتذكير، تقول: "محمدٌ أفضلُ منك، وهندٌ أفضلُ منك، والمحمدون أفضلُ منك، والهندات أفضل منك"؛ فاسم التفضيل يلزم الإفراد والتذكير.

لكن في كلمة "آخر" بالذات العرب صرفتها، فقالت: "آخر، أخرى، آخرون، وأُخَر"، وكل تصريفاتها ممنوعة من الصرف ولكن لعلل أخرى:

فـ "آخر" ممنوع من الصرف لأنه وصف على وزن "أفعل".

و "أُخرى" مختوم بألف التأنيث.

و "آخرون" أصلًا معربة بالواو والنون.

بقيت "أُخر"؛ صارت ممنوعة للوصفيَّة والعدل.

الأمر الثاني مما يدخل في الوصف المعدول: الأعداد التي على وزن "مَفْعَل" أو "فُعَل"، كقولهم "ثنَى، ثُلاث، رُباع"، و "مَثنى، ومَثْلَث، مَرْبَع"؛ فهذه أيضًا ممنوعة من الصرف، وهذا قول ابن هشام: (وأُحادَ وَمْوحِدَ إلى الأربعةِ)، فتقول: "ادخلوا ثُلاثى يا شباب، واذهبوا رُباعَى يا شباب، ادخلوا مثنى".

وعدلها إنما كان من العدد المكرر، فقولنا "ادخلوا ثُلاثى" يعني: ثلاثةً ثلاثةً؛ فعدلنا من "ثلاثةً ثلاثة" العدد المكرر إلى "فُعَال" أو "مَفعَل"، فنقول "ثُلاث، أو: مَثْلَثْ"، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3]، يعني: ثنتين ثنتين، أو: ثلاثًا ثلاثًا، أو: أربعًا أربعًا؛ وهكـذا.

واسم العدد الذي على وزن "فُعَل" و"مَفعَل" له في اللغة ثلاث استعمالات: فإما أن يُعرَب حالًا، أو خبرًا، أو نعتًا، ولا يُستعمل غير ذلك، وهو ليس كالأعداد التي هي كالأسماء تأتي مبتدأً وخبرًا وفاعلًا وغير ذلك؛ بل لا تأتي إلا:

- حالًا: كقولك "ادخلوا ثُلاثى" يعني: ثلاثةً ثلاثًة. ومنه قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، يعني حالة كونهنَّ مثنى وثلاث ورباع.

- أو نعتًا، كقولك "مررتُ بسياراتٍ مثنى وثلاث ورباع"، وكقوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: 1].

- أو خبرًا: كقوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صلاة الليل مثنى مثنى»، فـ "مثنى" الثانية توكيد لفظي يُمكن الاستغناء عنه فتقول "صلاة الليل مثنى" مبتدأ وخبر.

انتهينا بذلك من الأسماء الممنوعة من الصرف، لننتقل غلى باب التعجُّب.

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (بابٌ: التَّعَجُّبُ له صيغتانِ)}.

قلنا إنَّ ابن هشام ختمَ كتابه بذكر بعض الأحكام والأساليب التي يحتاج إليها الطالب المتوسط، ومن ذلك: أسلوب التعجُّب.

والتعجُّب معروف عند الناس، ويقولون في تعريفه: فعالٌ يحدث في النفس بسبب أن المتعجَّب منه خرجَ عن مثله، أو فاقَ مثله.

والتعجب نوعان:

التعجُّب السماعي: وهي أسليب ليس لها قعدة مطَّرة، كأن تقول: "عجبًا منك"، أو تقول: "لله درُّه"، ومنه قوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سبحان الله! هل ينجس المؤمن»، ومنه قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: 28].

التعجُّب القياسي: وهو المعقود له الباب، وله صيغتان -كما قال ابن هشام- وهما: "ما أفعله" و"أفعل به".

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (التَّعَجُّبُ له صيغتانِ: "مَا أَفْعَلَ زيدًا" وإعرابه: ما مبتدأٌ بمعنى شيءٌ عظيمٌ، و"أَفْعَلَ" فعلٌ ماضٍ فاعلُه ضميرُ ما، و"زيدًا" مفعول به، والجملةُ خبرُ "ما"؛ و "أَفْعِلْ بِهِ" وهو بمعنى "ما أَفْعَلَهُ"، وأصلُه "أَفْعَلَ" أيْ صارَ ذا كذا، كـ "أَغَدَّ البعيرُ" أيْ صار ذا غُدَّةٍ، فغُيِّرَ اللفظُ، وزِيدَتْ الباءُ في الفاعل لإصلاح اللفظِ، فَمِنْ ثَمَّ لزمت هنا، بخلافها في فاعل "كفى")}.

التعجب: هو أن تريد أن تتعجَّب بالشيء، فأنت لا تخبر بشيء، وإنما تبيِّن انفعالك بسبب تعجُّبك من هذا الشيء، ولهذا يكون التعجب إنشاءً وليس بإخبار، ولهذا لا يقبل التصديق والتكذيب.

وله صيغتان قياسيَّتان:

الصيغة الأولى: "ما أفعله" كأن تتعجب من حُسْنِ زيد فتقول: "ما أحسنَ زيدًا" أو تتعجب من طوله فتقول: "ما أطول زيدًا"، أو تتعجب من سرعته فتقول: "ما أسرع زيدًا".

وإعرابه كما قال ابن هشام: "ما" ليس حرف نفي ولا اسم موصول ولا اسم استفهام ولا اسم شرط؛ بل هي اسم نكرة بمعنى "شيء عظيم"، ولهذا نقول في إعرابها: مبتدأ، لأنها اسم وقع في ابتداء الكلام.

وإعراب "أحسنَ" فعل ماضي مبني على الفتح، مثل "أكرم، أخرجَ، أدخل".

فاعل الفعل: مستتر تقديره "هو" يعود إلى "ما" التي بمعنى "شيءٌ عظيمٌ".

و "زيدًا" مفعول به.

كأنَّك قلتَ: "شيءٌ عظيمٌ أحسنَ زيدًا"، يعني: شيء عظيمٌ جعل زيدًا حسنًا، وهذا لتقريب المعنى فقط، وإلا فإنَّك لا تتعجب بهذه الطريقة، ولكن هذا هو المعنى الصناعي النحوي.

فنقول: "ما" مبتدأ، وجملة "أفعل زيدًا" فعل وفاعل ومفعول به، والجملة خبر المبتدأ.

والمعنى عمومًا: شيءٌ عظيمٌ أحسنَ زيدًا، أي: جعله حسنًا.

والمعنى الدقيق أن تقول: شيءٌ عظيمٌ حسَّنَ زيدًا جعلني أتعجَّب. أو تقول: شيءٌ عظيمٌ من حسنِ زيد جعلني أتعجَّب.

وهم يُشدِّدون في ذلك لوجود التَّعجُّب أيضًا في أفعال الله -عزَّ وجل- كأن تقول: "ما أعظمَ الله"، فالمعنى الدقيق حينئذٍ: شيءٌ من عظمة الله جعلني أتعجَّب. وليس المعنى الدقيق أن شيئًا عظيمًا جعل الله عظيمًا.

والصيغة الأخرى: "أفْعِل به"، كأن تتعجَّب من حسن زيد فتقول: "أحسِن بزيد"، أو تقول: "أطول بزيد، أسرع بزيدٍ"، أيضًا هي بمعنى "ما أفعَلَه".

وأما الإعراب: فإنَّ "أفعِل" هذه في الأصل فعل ماضٍ على وزن "أفْعَلَ"، فقولك "أحسِنْ بزيدٍ" هي في الأصل "أحسَنَ زيدٌ"، ثم غُيِّرَ الفعل الماضي من صيغة "أفْعَلَ" إلى صيغة "أَفْعِل" للدلالة على التَّعجُّب، فقلتَ: "أَحْسِنْ".

وأما "زيدٌ" فهو الفاعل للحُسن، لأنه هو الذي حسُنَ في قولك "أحْسَنَ زيدٌ"، فعندما غيَّرتَ "أحْسَنَ" إلى "أحسِنْ" جررنا الفاعل بالباء فصارت "بزيدٍ"، وذلك لإصلاح اللفظ، لأن "أحْسِنْ" جاءت على صيغة فعل الأمر، وفعل الأمر لا يكون فاعله اسمًا ظاهرًا، وإنما فاعله إما ضميرًا مستترًا مع المفرد المذكر، كـ "اجلس، اسمع، افهم"، أو ضميرًا بارزًا مع غير المفرد المذكر، كـ "افهمي، اسمعوا"؛ فلهذا دخلت الباء للتزيين، أي: لتغيير صيغة الفاعل.

ولهذا نقول في الإعراب:

- "أحسِنْ" فعلٌ ماضٍ جاءَ على صيغة الأمر.

- والباء زائدة.

- و "زيدٍ" فاعل مرفوعٌ محلًّ مجرورٌ لفظًا بالباء الزائدة.

قال: (بخلافها في فاعل "كفى")، أشار إلى مسألة فاعل "كفى"، وأنه تُزاد معه الباء قياسًا، فتقول: "كفى الله وكيلًا، وكفى بالله وكيلًا، كفى زيدٌ صديقًا، كفى بزيدٍ صديقًا"، إلا أن الباء في فاعل "كفى" ليست زائدة زيادة واجبة، بخلاف الباء التي في "أفعل به" فإن زيادتها واجبة.

وأشار ابن هشام هنا إلى مسألة، فقال: إنَّ "أفْعِلْ" في "أَفْعِلْ به" هي في الأصل "أفْعَلَ" التي بمعنى "صارَ صاحب كذا" وهذا يُدرَس في الصرف في فصل: معاني الصيغ الزوائد؛ فـ "أَفْعَلَ" قد تأتي بمعنى "صارَ صاحبُ كذا"، فتقول: "أزوجَ زيدٌ"، يعني: صارَ مستحقًّا للزواج، وتقول: "أغدَّ البعير"، يعني: صارَ صاحبُ غدَّة.

فقولكَ: "أحسنَ زيدٌ" يعني: صارَ صاحب حسن -صارَ ذا حسن.

وقولك: "أسرع بزيد" يعني: صارَ صاحبُ سرعة.

ومن الشواهد التي جاءت على صيغة "ما أفْعَلَه" قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: 175]، وقوله: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: 17]، فقوله ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ ليس إخبارًا، وإنَّما تعجبًّا من كثرة كفره.

ومن الشواهد على "أفعِلْ به" قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: 38].

ثم انتقل إلى ذكر شروط فعل التعجُّب ومعه اسم التفضيل.

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وإنما يُـبْنى فعلا التعجبِ واسمُ التفضيل، مِن فعلٍ ثلاثيٍّ مُثْبَتٍ متفاوِتٍ تامٍّ مبنيٍّ للفاعلِ ليس اسمُ فاعله "أفعلَ")}.

التفضيل والتعجُّب يشتركان في أحكام كثيرة، منها شروط الفعل الذي يُصاغ منه التعجُّب والتفضيل كذلك، فالفعل الذي يصاغ منه التَّعجُّب والتفضيل يُشترط له سبعة شروط:

الشرط الأول: أن يكون فعلًا، فلا يؤخذ من اسمٍ جامدٍ ليس له فعل كـ "جدار"، فلا تقول "محمد أجدر من فلان" من "الجدار"، أو: "أحمر من فلان" من "الحمار"، أو "أبوَب من فلان" من "الباب"، ولا تقول "ما أبوبه، وما أجدره"؛ فلا يؤخذ تعجب ولا تفضيل.

الشرط الثاني: أن يكون هذا الفعل ثلاثيًّا: فلا يؤخذ من رباعي أو خماسي أو سداسي، كـ "انطلق"؛ لأنَّ "أفعَلْ" ما تأتي إلا من ثلاثي مزيد بهمزة.

الشرط الثالث: أن يكون مثبتًا، فلا يؤخذ من منفٍ، فمثلًا: "محمدٌ لا يذهب" ما يأتي منه تفضيل أو تعجب.

الشر الرابع: أن يكون متفاوتًا، وهذا شرط معنوي، يعني أن الفعل له درجات ومتفاوت، بعضه أعلى من بعض وأشد من بعض لكي يصح التفضيل والتعجُّب، كـ "مات" فالموت واحد، وكذلك "فني".

قالوا: إلا أنَّك لا تريد الفعل، وإنما تريد كثرة الفعل، فيُمكن أن تقول: "ما أموتَ حيوانات فلان" يعني: كثر فيها الموت، فإنَّك لا تتعجب من الموت نفسه الذي وقع، وإنما من كثرة.

الشرط الخامس: أن يكون فعلًا تامًّا لا ناقصًا، وهذا يُخرج الأفعال الناقصة وهي "كان" وأخواتها، و"كاد" وأخواتها.

الشرط السادس: أن يكون مبنيًّا للفاعل، بخلاف المبني للمجهول كـ "ضُرِبَ" فلا يُؤخَذ منه تفضيل ولا تعجُّب.

الشرط السابع: أن لا يكون اسم فاعله على وزن "أَفْعَل"، فالذي يفعل الجلوس نسميه "جالس"، والذي يفعل الحسن نسميه "حسن"؛ فهذا نأخذ منه التعجب ولا إشكال، فنقول: "ما أحسنه، ما أجلسه"، لكن الذي حَمُقَ فاسم الفاعل منه "أحمق" والذي خَضُرَ اسم الفاعل منه "أخضر"، والذي عمي اسم الفاعل منه "أعمى"؛ فهذه لا يُؤخذ منها تفضيل ولا تعجب، فلا تقل: "محمدٌ أشيبُ من زيد، وهذا الشيء أحمر من غيره، أو أحمق من غيره، أو أعمى من غيره"، وهذا هو قول الجمهور.

وقال بعض المحققين: إنَّ هناك شواهد كثيرة جاءت -وخاصَّة في التفضيل- مما كان اسم فاعله على وزن "أَفْعَل"، كقول العرب: "أسود من حنك الغراب"، وجاء في الحديث: «أبيض من اللبن»؛ فجاء التفضيل على وزن "أَفْعَل"، وعلى ذلك نقيس عليه فنقول: "ما أسوده وما أبيضه".

فإن قلتَ: إن هذه الأشياء التي لا يُتعجَّبُ منها والتي اختلت فيها الشروط كلها أو بعضها؛ ماذا نفعل إذا أرنا أن نتعجَّب منها؟

نقول: بعضها يُمكن أن تتعجَّب منه أو تأخذ منه التفضيل ولكن بواسطة:

- كأن تتعجب من حُمرته فتقول: "ما أشدَّ حمرته".

- أو من غير الثلاثي كـ "دحرج، انطلق" تقول: "ما أقوى دحرجته، ما أسرع انطلاقه".

- أو من المنفي تقول: "ما أشد عدم مجيئه".

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (بابٌ: الوقفُ)}.

المراد بالوقف: هو الوقف على آخر الكلمة.

كيف تقف على آخر الكلمة؟

لو قلت: "جاء محمدٌ إلى المسجد هذا اليوم"، كيف تقف على "جاء" وكيف تقف على "محمد" وكيف تقف على "المسجد"؟

قالوا: الوقف ثلاثة أنواع:

النوع الأول: الوقف الاختياري: وهو الذي يقصده المتكلم، يعني يُريد أن يقف على هذه الكلمة، وهو المقصود بهذا الباب.

النوع الثاني: الوقف الاضطراري، كأن يضطر إلى الوقف على الكلمة بسبب انقطاع النَّفَس، أو أي سبب آخر اضطره إلى ذلك؛ فهذا لا نتكلم عليه.

النوع الثالث: الوقف الاختباري: وهو أن تختبر أحدًا فتقول: قِفْ على هذه الكلمة، مع أنها ليست موضع وقفٍ، لكن لتعرف مدة معرفته لأحكام الوقف، وهذا يحدث كثيرًا عند القراء.

نقول: الأصل في الوقف السكون، تقول: "جاءْ، محمدْ، مسجدْ"، ولكن هناك قواعد خاصَّة لبعض الكلمات لابد أن نعرفها لكي نعرف كيفيَّة الوقف.

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (في الأفصحِ على نحوِ "رحمةٍ" بالهاءِ، وعلى نحو "مسلماتٍ" بالتاءِ)}.

ذكر هنا مسألتين:

الأولى: الوقف على المختوم بتاء التأنيث.

الثانية: الوقف على المختوم بالألف والتاء في الجمع المؤنث السالم.

ونجمعهما فنقول: الوقف على المختوم بتاء التأنيث.

أما المسألة الأولى: وهي الوقف على المختوم بتاء التأنيث كـ "فاطمة، رحمة" ففيها لغتان للعرب:

الأولى: الوقف بالهاء، وهي لغة جمهور العرب، فيقولون في "جاءت فاطمه. هذه رحمه".

الثانية: الوقوف بالتاء، فيقولون "جاءت فاطمت. هذه رحمت".

أما لغة الجمهور فهي واضحة ولا تحتاج إلى شواهد وأمثلة، وأما اللغة القليلة الأخرى فكقول شاعرهم:

وَاللهُ أنجاك بكفَّي مَسْلَمَتْ ** مِن بعدِ ما وبعدِ ما وبعد مَتْ

كانت نُفوسُ القومِ عندَ الغلْصَمَتْ ** وكادت الحرَّة أن تُدْعَى أمَتْ

 

ومن ذلك عند بعض القراء أنهم يقفون على تاء التأنيث المربوطة بتاء تأنيث مفتوحة، وعلى قراءتهم تُكتب حينئذٍ الكلمة في المصحف بالتاء المفتوحة لو وقفت عليها، مع أنها ليست موضع وقف، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: 56]، ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: 43]؛ وهذا على خلاف بين السبعة في القراءة.

ومن ذلك قول أحدهم في معركة حنين عندما انهزم الناس فأصبح ينادي: "يا أهل سورة البقرت" فردَّ عليه آخر فقال: "والله ما أحفظ منها آيت"؛ فهذا على لغتهم.

المسألة الثانية: الوقف على المجموع بالألف والتاء، كـ "مسلمات، معلمات، مجتهدات".

نقول: هي عكس المسألة السابقة، ففيها لغتان للعرب:

اللغة الأولى لغة الجمهور: يقف بالتاء "هذه مسلمات".

اللغة الثانية: الوقف عليها بالهاء، فيقول: "هذه مسلماه"، ومن ذلك قول بعض العرب: "كيف الإخوة والأخواه"، وقولهم: "دفنُ البنات من المقراباه"؛ وهذا من اعتقاد بعض الجاهليَّة.

ثم ننتقل إلى مسألة أخرى وهي: الوقف على الاسم المنقوص.

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وعلى نحوِ "قاضٍ" رفعًا وجرًا بالحذف، ونحوِ "القاضي" فيهما بالإثبات، وقد يُعكَسُ فيهنَّ، وليس في نصب "قاضٍ" و"القاضي" إلا الياء)}.

هذا الكلام معطوف على ما سبق من كلام ابن هشام، إذ قال: (الوقف في الأفصحِ على المختوم بالتاء....)، ثم قال: (وعلى نحو "قاضٍ")، يعني أن هذا هو الأفصح.

فالمسألة هنا في الوقف على الاسم المنقوص، والاسم المنقوص -كما نعرف- هو الاسم المختوم بياء قبلها كسرة، كـ "القاضي، المقتضي، الراضي، المرتضي، الهادي، المهتدي".

نقول: المنقوص إن كان منصوبًا فليس فيه إلا إثبات الياء، منكَّرًا كان أو مقرونًا بـ "أل"، كـ "رأيتُ قاضيًا"، ومنه قوله تعالى: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ [آل عمران: 193]، وكقولك: "رأيتُ القاضيَ يا محمد"، وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة: 26].

أما المرفوع والمجرور فننظر هل المنقوص نكرة أو معرفة:

فإن كان نكرة ففيه لغتان:

اللغة الأولى وهي الأفصح: حذف الياء في الرفع والجر، فنقول: "جاءَ قاضٍ، مررتُ بقاضٍ".

اللغة الثانية وهي القليلة: إثبات الياء، تقول: "جاء قاضي، مررتُ بقاضي".

وهذا عند الوقف فقط، أما الوصل فعند الجميع يكون بحذف الياء والتنوين.

وأما إذا كان المنقوص المرفوع والمجرور مقرونًا بـ "أل" كـ "القاضي"؛ فبالعكس، وفيه لغتان:

اللغة الأولى وهي الأفصح: إثبات الياء، تقول: "جاء القاضي يا محمد".

اللغة الثانية: حذف الياء، تقول: "جاء القاضِ يا محمد".

ومن ذلك قوله -سبحانه وتعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: 7]، وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: 11]، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [الرعد: 34].

وفيها قراءتان:

القراءة الأولى: إثبات الياء.

القراءة الثانية: حذف الياء.

وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: 9]، وقال: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: 15]؛ أيضًا فيها قراءتان سبعيَّتان.

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (ويوقف على "إذًا" ونحوِ "لَنَسْفَعًا" و "رأيتُ زيدًا" بالألفِ كما يُكتَبنَ)}.

هنا تحدَّث على ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: الوقف على كلمة "إذًا".

المسألة الثانية: الوقف على نون التوكيد.

المسألة الثالثة: الوقف على المنصوب المنوَّن.

أما الوقف على كلمة "إذًا" الجوابيَّة المذكورة في نواصب الفعل المضارع، كأن يُقال لك: "سأزورك الليلة" فتقول: "إذًا أُكرمك"، أو يُقال: "نرجو أن يتحد المسلمون" فيُقال: "إذًا ينتصروا"، وهكذا.

و"إذًا" الجوابيَّة في نطق آخرها وكتابته ثلاثةُ أوجه:

الوجه الأول: نطقها بالتنوين، وقلبها عند الوقف ألفًا؛ فحينئذٍ نكتبها بتنوين النصب "إذًا أكرمك"، وهكذا كتبت في المصاحف، كقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: 20]، والوقف عليها باتفاق القراءة بالألف "ولن تفلحوا إذا"، وهذا هو الذي يقوي هذا الوجه، أن "إذًا" في الحقيقة بالتنوين، فإذا وصلتَ نوَّنتَ لأنه تنوين، وإذا وقفتَ قلبتَ التنوين ألفًا.

الوجه الثاني: نطقها وكتابتها بالنون دائمًا، فتُكتب "إذن".

الوجه الثالث: التفصيل:

- إذا نصبت الفعل المضارع فهي بالنون "إذن".

- إذا لم تنصب الفعل المضار فهي "إذًا".

والمعمول به الوجه الثالث، إلا أن الأول والثاني أسهل، يعني إما أن تلتزم بالنون أو تلتزم بالتنوين.

{هل يُخطَّأ من كتب بأحد هذه الأوجه؟}.

إن أخذها على أنه مذهب يعتقده لا يُخطَّأ، أما إذا أخذه وكتب مرَّة بالتنوين ومرة بالنون فهذا خطأ، أما إذا التزم بالنون دائمًا أو بالتنوين دائمًا فلا يُخطَّأ.

والأكثر في الكتابة الآن أن تُكتَب بالنون دائمًا، وهذا أسهل ويُخرج الكاتب من الخطأ.

المسألة الثانية: الوقف على نون التوكيد، وهي تلحق الفعل لتؤكده وتقويه.

وهي على نوعين:

الأول: النون الثقيلة المفتوحة، كـ "اذهبنَّ يا محمد"، والوقف عليها لا يكون إلا بالنون الساكنة على القاعدة أن الوقف بالسكون، فتقول: "اذهبنْ".

الثاني: النون الخفيفة، كقولك: "اذهبنْ يا محمد"، فهي تُعامَل معاملة تنوين النصب، يعني إذا وصلتَ تنطق بنونٍ ساكنةٍ "اذهبنْ يا محمد"، وإذا وقفتَ تقلبها ألفًا "اذهبا".

وأما كتابتها: فتُتكتب في الإملاء نونًا ساكنة وصلًا ووقفًا، لكن ننتبه إلى أمرين:

الأمر الأول: أنه في المصحف تكتب بتنوين النصب، لأن المعتمد في المصحف هو بيان كيفية النطق، مثل ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ وكقوله: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف: 32]، يريد أن نون التوكيد الخفيفة كتنوين النصب، عند الوصل تنطقها بنون ساكنة ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ وعند الوقف يجب أن تقلبها إلى ألف فتقول: "لنسفعا".

الأمر الثاني: إذا كانت في آخر البيت، فإنها لابد أن تُقلَب إلى ألف، لأنها لا تُقرَأ وصلًا ولا وقفًا إلَّا بألف.

المسألة الثالثة: الوقف على تنوين النصب، كـ "رأيتُ زيدًا، قرأتُ كتابًا".

- فالتنوين إذا كان تنوين رفعٍ أو جرٍّ فليس فيه عند الوقف إلا حذفُ التنوين مع الحركة، فتقول: "جاءَ زيدْ. سلمتُ على زيدْ".

- وأما في تنوين النصب ففيه لغتان عن العرب:

اللغة الأولى لغة الجمهور: يقلبون تنوين النصب إلى ألف، تقول: "رأيتُ زيدا، قرأتُ كتابا".

اللغة الثانية لبعض العرب وهم من ربيعة: يُجْرُون تنوين النصب كتنوين الرفع والجر، فيحذفونه مع الفتحة، فيقولون: "رأيتُ زيدْ. قرأتُ كتابْ".

فإن سألت عن تنوين النصب في "قرأتُ كتابًا، ورأيتُ زيدًا"؛ أين نكتب هذا التنوين؟ هل على الألف أو على ما قبل الألف؟

الجواب: فيه ثلاثة مذاهب لأهل الإملاء:

المذهب الأول: أن تكتب على آخر الكلمة -يعني على الحرف الذي قبل الألف- كتنوين الرفع والجر، وهذا هو الأرجح.

المذهب الثاني أن تُكتب على الألف، وهذا قول قوي ومشهور ومعمول به.

القول الثالث: أن تُكتَب على ما بعد الألف، وهذا هو أضعف الأقوال وهو شبه المهجور الآن.

ثم إن ابن هشام -رَحِمَهُ اللهُ- ختم كتابه بعدَ أن انتهى مما أراد من مسائل النحو وأبواب النحو ببعض مسائل الإملاء والكتابة، ويسمونه: الــرســم؛ فذكر شيئًا من الأحكام الإملائيَّة، مبتدئًا بالكلام على زيادة الألف بعد واو الجماعة.

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وتُكتَب الألفُ بعد واوِ الجماعة كـ "قالوا"، دون الأصليةِ كـ "زيدٍ يدعو")}.

هذه المسألة في الحقيقة من مسائل الإملاء -أو الكتابة أو الرسم- وابن هشام -رَحِمَهُ اللهُ- عندما ألف هذا الكتاب وفي ذهنه أن يكون للمتوسطين لأنه ألف عدَّة كتبٍ للمتعلمين، لأنه كان كابن مالك -رَحِمَهُ اللهُ- من المعلمين الذين اهتموا بتعليم الطلاب، فألَّف "شذور الذهب" للمبتدئين، ولكنه لم ينتشر لأنه أعلى من المبتدئين، وألف "قطر الندى وبل الصدى" للمتوسطين، فلهذا زوَّدَ شيئًا من أحكام الإملاء لتناسب هؤلاء الطلاب المتوسِّطين، ثم ألَّف للكبار "أوضح المسالك في شرح ألفية ابن مالك"، ثم ألَّف للمنتهين المتخصصين "مغني اللبيب" وهو من أعظم كتب النحو للمفسرين وللنحويين.

فلهذا لا يُقال لماذا ذكر بعض مسائل الإملاء في كتاب النحو؛ فلعله ذكره لهذا السبب.

فتكلم هنا على وزيادة الألف بعد واو الجماعة، فذكر -رَحِمَهُ اللهُ- أنَّ الألف قد تُزاد في مواضع، منها: أن تزاد بعدَ واو الجماعة غير الملتوَّة بنون الرفع، ومعنى ذلك:

- أنها تضاف بعد واو الجماعة في الفعل الماضي مطلقًا، مثل "ذهبوا، دحرجوا، انطلقوا، استخرجوا".

- وبعد واو الجماعة في فعل الأمر مطلقًا، مثل: "اذهبوا، انطلقوا، استخرِجُوا".

- بعدَ واو الجماعة في الفعل المضارع إذا كان منصوبًا أو مجزومًا، كـ "لم يذهبوا، لن يذهبوا".

أما إذا كان مرفوعًا بثبوت النون كـ "يذهبون" فإن الواو حينئذٍ لا تأتي.

ونبَّه ابن هشام إلى أن الألف إنما تكون بعد واو الجماعة، وهي ضمير متصل بالفعل، يعني ليس من الفعل وإنما هو كلمة أخرى، إلا أن من صفاته أنه يتَّصف بالكلمة السابقة، فلهذا ننتبه إلى أن الواو إذا كانت من أصل الفعل -يعني حرفًا أصليًّا- في آخر الفعل، فإن الألف لا تكتب بعده، كـ "يدعو" فهذه الواو أصليَّة، فلا نكتب الألف بعدها.

وكذلك "ندعو" فإن هذا فع مضارع مبدوء بنون المتكلمين، والواو هنا أصلية فلا يكتب بعدها ألف، وقد يُخطأ فيُكتَب ألف بعد "نرجو، ندعو" ويظنون أن الواو للجماعة، وإنما هي أصلية.

وقد تكتب الألف بعد الواو الأصلية في المصحف، وهذه كتابةٌ خاصَّة بالخط العثماني للمصحف، ولهذا لا يعترَض بها على الكتابة الإملائيَّة، لأن الكتابة الإملائية تخالف كتابة المصحف في أشياء عدَّة.

ثم انتقل -رَحِمَهُ اللهُ- إلى مسألة إملائيَّة أخرى، وهي: كتابةُ الألف المتطرفة.

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (وتُرسَم الألفُ ياءً إن تجاوزت الثلاثةَ كـ "استدعى والمصطفى" أو كان أصلُها الياءُ كـ "رمى والفتى"، وألفًا في غيره كـ "عفا" و "العصا".

وينكشف أمرُ ألفِ الفعل بالتاء كـ "رميْتُ وعفوْتُ"، والاسمِ بالتثنيةَ كـ "عَصَوَيْنِ وفَتَيَـيْنِ")}.

القاعدة هنا عن كيفيَّة كتابة الألف المتطرفة.

والألف المتطرفة هي: الألف التي في آخر الكلمة.

القاعدة في الألف المتطرفة: أنها تكتب نائمة، إلا في موضع واحد تُكتب فيه قائمة، وهي في الثلاثي الذي أصل الألف فيه واو، مثل: "دعا - يدعو" فالأصل واو وقد ظهر في المضارع، فتُكتب بألف واقفة "دعا"، لأنه ثلاثي وأصل الألف واو. ومثل: "صفا - يصفو، رجا - يرجو"، وكذلك في "عصا" فالألف ثالثة وأصلها واو، لأننا نقول "عصوان، عصوات"، فهي ليست من "عصى - يعصي - عصيانًا"، وإنما من "عصوين وعصوات"؛ فنكتبها بألف واقفة.

في غير ذلك تكتب الألف نائمة، يعني في:

- الثلاثي الذي أصله الياء كـ "رمى - يرمي، هدى - يهدي، رحى - رحيان"، فتكتب نائمة.

- غير الثلاثي كالرباعي والخماسي والسداسي لا ننظر إلى الأصل لأنه غير ثلاثي، مثل: "ملهى" مع أنه من "لَهَا - يلهو"، لكن الألف في "ملهى" رابعة.

ومثل "ملتقى" الألف خامسة، و"مصطفى" الألف سادسة، و"مستشفى" الألف سادسة.

وثم ذكر كيف نعرف أصل الألف هي واو أو ياء، قال: (وينكشف أمرُ ألفِ الفعل بالتاء كـ "رميْتُ وعفوْتُ")، أي: تسند الفعل إلى تاء المتكلم، فتقول: "دعا - دعوتُ، رمى - رميتُ".

قال: (والاسمِ بالتثنيةَ كـ "عَصَوَيْنِ وفَتَيَـيْنِ")، وكذلك في جمع المؤنث، فتقول "عصا - عصوان - عصوات، فتى - فتيان - فتيات".

ثم انتقل إلى الكلام على همزة الوصل.

{قال -رَحِمَهُ اللهُ: (فصلٌ: همزةُ اسمٍ بِكَسْرٍ وضَمٍّ، و"اِسْتٍ، اِبنٍ، واِبْنِمٍ، واِبنةٍ، واِمرئٍ، واِمرأةٍ" وتَثْنِيَتِهِنَّ، و"اِثْنَيْنِ، واِثْنَتَيْنِ، واَلغلامِ، واَيْمُنِ اللهِ في القسم بفتحهما"، أو بكسر في اَيْمُنِ: همزةُ وصلٍ، أيْ تثبُتُ ابتداءً وتُحْذَف وصلًا.

وكذا همزةُ الماضي المتجاوِزِ أربعةَ أحرف، كـ "اِستخرج"، وأَمْرِهِ ومصدرِهِ، وأمرِ الثلاثيِّ، كـ "اُقتُلْ واُغْزُ واُغْزِي" بضمهنَّ، و "اِضرِب واِمشُوا واِذهَبْ" بكسرٍ كالبواقي)}.

الهمزة نوعان:

- همزة قطع.

- همزة وصل.

الفرق بينهما من حيث التقريب أن نقول: إن همزة القطع هي التي لو وضعتَ قبلها شيئًا تنطق بيها، وفي المعتاد نضع واو العطف أو فاء العطف، فنقول في "أكرم - وأكرم - وإكرام -وإبريق"، فهذه همزة قطع.

فإن لم تُنطَق بعد الواو فهي همزة وصل، مثل: "اذهب - واذهب، استخرج - واستخرج، انطلاق - وانطلاق"، وهكذا..

وهمزة القطع تقع في أول الكلمة كـ "أخذ، أكل"، وفي وسطها كـ "سأل"، وفي آخرها كـ "خطأ".

وأما همزة الوصل فلا تقع إلا في أول الكلمة فقط، ولا تقع في حشوها ولا في آخرها.

ثم نريد أن نفرق بعد ذلك بين همزة الوصل والقطع بذكر المواضع، وهذا هو الذي يضبط الأمر لمن صعب عليه الضابط السابق، فمن ضبط الضابط السابق فالأمر سهل وانتهى، لأن المراد فقط التفريق بينهما، وأما الذي يصعب عليه أن يطبق الضابط السابق فلابدَّ أن يعرف مواضع همزة الوصل، لأنها الأقل، وأما همزة القطع فهي الأصل والأكثر.

نقول: همزة الوصل إما أن تكون في الأسماء، أو الأفعال، أو الحروف.

نبدأ بالحروف: فهمزات الحروف كلها قطع، إلا "أل" فهمزته وصل، مثل: "الكتاب، الطالب - والكتاب، والطالب"، وما سوى ذلك من الحروف همزاته قطع، مثل: "إلى، أما، إلا".

أما الفعل: فهمزاته قطع، ونستثني من ذلك شيئين:

الأول: أمر الثلاثي، نقول في "ذهب - اذهب" فهمزته همزة وصل.

والفعل الرباعي كله قطع -ماضي ومضارع وأمر-، نقول: "أكرمَ - أُكرِمُ - أَكرِمْ".

الثاني: الفعل الخماسي والسداسي ماضيهما وأمرهما همزتهما همزة وصل، فنقول: "استخرجَ - استخراجًا، انطلق - انطلاقًا".

بخلاف المضارع منهما، فهمزته همزة قطع، مثل: "أنا أَسْتَخْرِجُ - أنا أَنطَلِقُ".

فبانَ بذلك أنَّ:

- الثلاثي كله قطع إلا أمره.

- الرباعي كله قطع.

- الخماسي ماضيه وأمره وصل، ومضارعه قطع.

أما الأسماء: فكلها قطع، مثل: "أسلوب"، إلا عشرة أسماء سُمعت سماعًا عن العرب بهمزة الوصل، وهي التي ذكرها ابن هشام، وهي: "اسمٌ، ابنٌ، ابنم، ابنةٌ، وامرءٌ، امرأةٌ، اثنان، اثنتان، استٌ".

فـ "اسم، وابن" معروفة.

أما "ابنم" هي "ابن" وزدنا عليها الميم مبالغة.

و"ابنة" تأنيث "ابن".

و"امرء وامرأة" هي كلمة واحدة، لكن أنَّثناها بالتاء.

و"اثنان واثنتان" واضحة.

و"ايمن" تستعمل في القَسَم، تقول: "وايمن الله لأفعلنَّ كذا وكذا".

و"واستٌ" هي مؤخرة الإنسان، وإطلاقها على غير ذلك عاميَّة.

ما سوى ذلك همزات قطع، فكل الحروف همزاتها قطع إلا "إلا"، والأسماء كلها قطعٌ "أخذٌ، أكلٌ، أسلوبٌ، أعلامٌ"، والفعل الماضي كله قطع إلا أمره، والفعل الرباعي كله قطع، والفعل الخماسي والسداسي مضارعه قطع، وماضيه وأمره وصل.

وهذه أشياء إذا عرفها الإنسان تسهل عليه.

بقيت لنا مسألة واحدة أشار إليها ابن هشام، وهي: الكلام على حركة همزة الوصل لو ابتدأنا بها، فنحن عرفنا أن همزة الوصل تسقط في الوصل، لكن لو بدأنا بها فلابد أن ننطق بحركةٍ عليها، لأنه لا يُبدَأ بساكن.

ذكر ابن هشام أن حركتها على خمسة أوجه:

الأول: وجوب الفتح، وذلك في "أل" فقط. فتقول "اَلبيت، اَلطالب"، ولا تكسر ولا تضم.

الثاني: رجحان الكسر على الضَّم، يعني يجوز فيها الكسر والضم لكن الكسر أرجح، وهذا في كلمة واحدة وهي كلمة "اسم"، فتقول: "اِسمي، اُسمي".

الثالث: رجحان الفتح على الكسر: فيجوز الفتح والكسر في همزة الوصل، إلا أنَّ الفتح أرجح، وهذا في كلمة واحدة وهي "ايمن الله" فإذا بدأت تقول: "اَيمن الله لأفعلن" ويجوز أن تقول: "اِيمن الله لأفعلن".

الرابع: وجوب الضم: إذا ضُمَّ الحرف الثالث، كالأمر من "خرجَ - يخرجُ - اُخرج" ومن "دخل - يدخل - اُدخل"، وكذلك "انطلق" لو بنيناه للمجهول نقول: "اُنطُلُقَ"، وكذلك "اُستُخرِجَ".

الخامس: وجوب الكسر، وهذا في غير ما سبق، كالماضي والأمر في الثلاثي، والماضي والأمر من الخماسي والسداسي، فتقول: "اِذهب، اِنْطَلَقَ".

هذا ما يتعلق بهمزة الوصل، وبه نكون قد انتهينا بحمد الله تعالى من شرح هذا الكتاب المبارك، فنسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعله شرحًا مباركًا مفهومًا، وأن ينفعنا به في الدنيا والآخرة، مَن شرحه ومَن سجله ومن استمع إليه واستفاد منه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

{أحسن الله غليكم شيخنا، وجعل ذلك في ميزان حسناتكم.

في ختام هيه الحلقة نشكركم أيها المشاهدون على طيب المتابعة، ونلقاكم -بإذن الله تعالى- في برامج أخرى قادمة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته}.

 

المزيد إظهار أقل
تبليــــغ

اكتب المشكلة التي تواجهك